خطاب العرش .. حين تتحول منعة الأردن إلى مسؤولية وطنية مشتركة
ميس القضاة
04-11-2026 09:08 AM
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين مجرد تأكيد للثوابت الوطنية، بل حمل رؤية متكاملة لمعنى قوة الدولة ومصادر منعتها، ومسؤولية مؤسساتها ومجتمعها في الحفاظ عليها. ففي ظل التحديات الأمنية والإقليمية والاقتصادية، لم تعد المنعة الوطنية تعني القدرة على مواجهة الأزمات فحسب، بل امتلاك الوعي والاستعداد لاستباقها والتعامل معها.
وقد استهل جلالة الملك خطابه بالإرهاب، مستحضراً شهداء الكرك، ومؤكداً أن أمن الأردن ووحدته خط أحمر. وهي رسالة تؤكد أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الوقاية الفكرية والاجتماعية، وتعزيز الاعتدال والوسطية، وتحصين الشباب بالتفكير النقدي والتحقق من المعلومات، وترسيخ ثقافة الحوار. وهنا تتكامل مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والأحزاب في مواجهة التطرف، وسد الفراغ الذي قد تستغله الأفكار المتشددة.
كما أن تأكيد جلالته أن قوة الأردن في شعبه، الذي يزداد تماسكاً وبصيرة وحكمة في المحن، يضع الوعي المجتمعي في قلب مفهوم الأمن الوطني؛ فالتماسك ليس مجرد استجابة للأزمات، بل قدرة مستدامة على حماية الاستقرار ومواجهة الانقسام وخطاب الكراهية، وصون الانتماء الوطني.
وفي المسار السياسي، وضع الخطاب مجلس الأمة أمام مسؤولياته في التشريع والرقابة وتمثيل المصلحة العامة، مؤكداً أن الاختلاف في الرأي قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية. وهذه رسالة تؤسس لحياة سياسية تقوم على التعددية المسؤولة واحترام الاختلاف، وتضع الأحزاب أمام استحقاق الانتقال من الحضور التنظيمي إلى إنتاج البرامج والبدائل، وتمثيل مصالح المواطنين والمساهمة الفاعلة في صناعة القرار. فالحزب الفاعل هو القادر على تحويل احتياجات الناس إلى أولويات سياسية وحلول قابلة للتطبيق.
ولا تنفصل هذه المسؤولية عن الثقة بالمؤسسات، التي لا تُبنى بالتشريعات وحدها، بل بالنزاهة والجدية واحترام المواطن وجودة الأداء. وهو ما يتصل أيضاً بتأكيد جلالة الملك أن القانون لا يعرف اسماً أو منصباً أو نفوذاً؛ فسيادة القانون والمساءلة والعدالة شروط أساسية لبناء دولة قوية تحظى بثقة مجتمعها.
اقتصادياً، ربط الخطاب بين المشاريع الاستراتيجية الكبرى وتعزيز منعة الاقتصاد الوطني، بما يؤكد أن التنمية الحقيقية تُقاس بقدرتها على خلق فرص العمل، وتوسيع الإنتاج، وتحسين معيشة المواطنين. كما أن وضع مصلحة الأردني في صلب القرار يجعل أثر السياسات على حياة الناس معياراً أساسياً لنجاحها. ويأتي الأمن المائي بوصفه قضية سيادية واستراتيجية ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار وحقوق الأجيال القادمة، وتتطلب تخطيطاً استباقياً وتكاملاً في إدارة الموارد وحمايتها.
وعلى الصعيد الوطني والعربي، أكد الخطاب ثوابت الأردن تجاه القضية الفلسطينية، ورفض الأطماع التوسعية الإسرائيلية، بما يعكس ارتباط منعة الدولة بقدرتها على حماية مصالحها الوطنية والتمسك بمواقفها القومية ودورها الإقليمي.
إن منعة الأردن، وفق هذه القراءة، ليست مسؤولية أمنية منفردة أو مهمة مؤسسة بعينها، بل منظومة تتكامل فيها قوة المؤسسات مع وعي المجتمع، وسيادة القانون مع العدالة، والتحديث السياسي مع المشاركة، والنمو الاقتصادي مع تحسين حياة المواطنين، والاعتدال الفكري مع حماية الهوية الوطنية.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية في الانتقال من التفاعل مع خطاب العرش إلى توظيف مضامينه في برامج عمل حقيقية. ويستطيع حزب الميثاق الوطني ترجمة هذه الرسائل من خلال إعداد أوراق سياسات حول المنعة الاقتصادية والمائية، وإطلاق مبادرات للوقاية من التطرف وتعزيز الوعي، وتوسيع مشاركة المرأة والشباب في صناعة القرار، وتعزيز الحوار المجتمعي في المحافظات، ومتابعة أثر السياسات الحكومية على حياة المواطنين. كما ينبغي أن يتجاوز دور اللجان القطاعية تنظيم الفعاليات إلى دراسة المشكلات وتحليل البيانات وتقديم حلول وتوصيات قابلة للتنفيذ والتقييم.
إن خطاب العرش يضع أمامنا سؤالاً يتجاوز ما تحقق إلى ما يجب أن ننجزه: كيف نحافظ على الأردن قوياً، ونمنح مجتمعه القدرة على مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل؟ والإجابة تبدأ ببناء علاقة متينة بين الدولة والمجتمع، قوامها الثقة والمسؤولية والمشاركة والإنجاز.
فالأردن لا يحتاج فقط إلى من يحمي منجزاته، بل إلى من يضيف إليها، ولا يحتاج إلى مجتمع يتماسك وقت الأزمات فحسب، بل إلى مؤسسات وسياسات تعزز هذا التماسك في كل الأوقات. تلك هي المنعة التي تتجاوز الصمود إلى القدرة على الاستمرار والتقدم، وتلك هي المسؤولية التي يجب أن تتحول من رسالة في خطاب العرش إلى ممارسة يومية في عملنا الوطني.