facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خِطَابُ الْعَرْشِ .. مِنْ مَنَابِرِ الْعَالَمِ إِلَى قُبَّةِ الْبَرْلَمَانِ


د. محمد حرب اللصاصمة
04-11-2026 02:22 PM

لَيْسَ خِطَابُ الْعَرْشِ مُجَرَّدَ مَرَاسِمَ دُسْتُورِيَّةٍ تُعْلِنُ افْتِتَاحَ دَوْرَةٍ بَرْلَمَانِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، وَلَا كَلِمَاتٍ سِيَاسِيَّةً تَعْبُرُ الْمَشْهَدَ ثُمَّ تَسْتَقِرُّ فِي أَرْشِيفِ الْخِطَابَاتِ الرَّسْمِيَّةِ؛ إِنَّهُ لَحْظَةٌ تَلْتَقِي فِيهَا رُؤْيَةُ الدَّوْلَةِ بِمَسْؤُولِيَّةِ مُؤَسَّسَاتِهَا، وَتَتَحَوَّلُ فِيهَا الْمَوَاقِفُ الْوَطَنِيَّةُ وَالثَّوَابِتُ السِّيَاسِيَّةُ إِلَى تَكْلِيفٍ عَمَلِيٍّ يَضَعُ الْبَرْلَمَانَ وَالْحُكُومَةَ أَمَامَ اسْتِحْقَاقَاتِ الْمَرْحَلَةِ.

وَحِينَ تَنْتَقِلُ الرِّسَالَةُ مِنْ مَنَابِرِ الْعَالَمِ إِلَى قُبَّةِ الْبَرْلَمَانِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى تَكْرَارِ الْمَوَاقِفِ وَتَأْكِيدِ الثَّوَابِتِ، بَلْ عَلَى تَحْوِيلِهَا إِلَى تَشْرِيعٍ رَشِيدٍ، وَرَقَابَةٍ فَاعِلَةٍ، وَأَدَاءٍ حُكُومِيٍّ مَلْمُوسٍ، وَنَتَائِجَ يَشْعُرُ بِهَا الْمُواطِنُ فِي حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ.

وَفِي خِطَابِ الْعَرْشِ الَّذِي أُلْقِيَ فِي افْتِتَاحِ الدَّوْرَةِ الْعَادِيَةِ الثَّالِثَةِ لِمَجْلِسِ الْأُمَّةِ الْعِشْرِينَ، يَوْمَ الثَّانِي مِنْ تِشْرِينَ الثَّانِي 2026، بَدَا الْمَشْهَدُ أَوْسَعَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ دُسْتُورِيَّةٍ؛ فَقَدِ الْتَقَتْ فِيهِ قَضَايَا الْأَمْنِ الْوَطَنِيِّ وَالتَّمَاسُكِ الْمُجْتَمَعِيِّ مَعَ الْأَوْضَاعِ الْإِقْلِيمِيَّةِ، وَالْأَوْلَوِيَّاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالْإِنْمَائِيَّةِ، وَالْأَمْنِ الْمَائِيِّ، وَمَسْؤُولِيَّةِ السُّلْطَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ وَالتَّنْفِيذِيَّةِ.

وَهَذَا التَّنَوُّعُ لَمْ يَكُنْ تَشْتِيتًا لِلرِّسَالَةِ، بَلْ تَعْبِيرًا عَنْ فَهْمٍ مُتَكَامِلٍ لِمَعْنَى قُوَّةِ الدَّوْلَةِ: أَمْنٌ يَحْمِي، وَمُؤَسَّسَاتٌ تَخْدِمُ، وَقَانُونٌ يَحْكُمُ، وَتَنْمِيَةٌ تَصِلُ إِلَى الْمُواطِنِ، وَمَوْقِفٌ سِيَاسِيٌّ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ ثَوَابِتِ الْهُوِيَّةِ وَحُقُوقِ الْأُمَّةِ.

وَلَعَلَّ أَوَّلَ مَا يَسْتَوْقِفُ الْمُتَأَمِّلَ فِي الْخِطَابِ هُوَ الرَّبْطُ بَيْنَ مَنَاعَةِ الدَّاخِلِ وَقُدْرَةِ الدَّوْلَةِ عَلَى الدِّفَاعِ عَنْ مَصَالِحِهَا وَمَوَاقِفِهَا الْخَارِجِيَّةِ. فَلَا يُمْكِنُ لِدَوْلَةٍ أَنْ تَكُونَ فَاعِلَةً فِي مُحِيطِهَا، وَأَنْ تَدْعَمَ قَضَايَا أُمَّتِهَا بِثَبَاتٍ وَاقْتِدَارٍ، إِذَا كَانَتْ جَبْهَتُهَا الدَّاخِلِيَّةُ مُثْقَلَةً بِالِانْقِسَامِ وَضَعْفِ الثِّقَةِ وَتَرَاجُعِ الْمَسْؤُولِيَّةِ. فَقُوَّةُ الْأُرْدُنِّ، كَمَا أَكَّدَ الْخِطَابُ، لَا تَنْفَصِلُ عَنْ تَمَاسُكِ شَعْبِهِ وَوَعْيِهِ وَحِكْمَتِهِ فِي لَحَظَاتِ الِاخْتِبَارِ.

وَهُنَا تَكْمُنُ دَلَالَةٌ عَمِيقَةٌ: إِنَّ الْأَمْنَ لَيْسَ مَسْؤُولِيَّةَ الْمُؤَسَّسَاتِ الْمُخْتَصَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ هُوَ مَنْظُومَةٌ تَتَكَامَلُ فِيهَا يَقَظَةُ الْمُؤَسَّسَةِ مَعَ وَعْيِ الْمُواطِنِ، وَالْحَزْمُ مَعَ الْحِكْمَةِ، وَحِمَايَةُ الْوَطَنِ مَعَ صَوْنِ وَحْدَتِهِ.

وَقَدْ جَاءَ تَوْقِفُ الْخِطَابِ عِنْدَ الْإِرْهَابِ وَشُهَدَاءِ الْكَرَكِ لِيُؤَكِّدَ أَنَّ أَمْنَ الْوَطَنِ لَيْسَ مَوْضُوعًا عَابِرًا فِي أَجِنْدَةِ الدَّوْلَةِ، بَلْ عَهْدٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ لَا تَخْضَعُ لِلتَّقَادُمِ أَوِ النِّسْيَانِ. فَحِمَايَةُ الْأَرْدُنِّ وَوَحْدَتِهِ تَسْتَدْعِي يَقَظَةً دَائِمَةً، وَمَهَنِيَّةً فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْمَخَاطِرِ، وَوَعْيًا مُجْتَمَعِيًّا يَرْفُضُ التَّطَرُّفَ وَالْعُنْفَ وَمَحَاوَلَاتِ ضَرْبِ النَّسِيجِ الْوَطَنِيِّ.

وَهَذَا الْحَزْمُ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ الِانْفِتَاحِ وَالِاخْتِلَافِ الْمَشْرُوعِ، بَلْ يَحْمِي الْبِيئَةَ الَّتِي يَسْتَطِيعُ فِيهَا النَّاسُ أَنْ يَخْتَلِفُوا بِأَمَانٍ وَيَتَحَاوَرُوا بِمَسْؤُولِيَّةٍ.

أَمَّا الِانْتِقَالُ مِنَ الْمَوَاقِفِ الْخَارِجِيَّةِ إِلَى قُبَّةِ الْبَرْلَمَانِ، فَقَدْ حَمَلَ دَلَالَةً سِيَاسِيَّةً بَالِغَةَ الْأَهَمِّيَّةِ. فَالْأُرْدُنُّ، فِي مَوْقِفِهِ مِنَ الْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ، لَا يَتَعَامَلُ مَعَهَا بِوَصْفِهَا مَلَفًّا خَارِجِيًّا بَعِيدًا عَنْ أَمْنِ الْمِنْطَقَةِ، بَلْ بِوَصْفِهَا قَضِيَّةَ حَقٍّ وَعَدَالَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ إِقْلِيمِيٍّ.

وَقَدْ أَعَادَ الْخِطَابُ التَّأْكِيدَ عَلَى أَنَّ لَا سَبِيلَ إِلَى أَمْنٍ مُسْتَدَامٍ فِي الْمِنْطَقَةِ مِنْ دُونِ تَلْبِيَةِ حَقِّ الشَّعْبِ الْفِلَسْطِينِيِّ فِي أَرْضِهِ، فِي وَقْتٍ تَسْتَمِرُّ فِيهِ الْمَأْسَاةُ الْإِنْسَانِيَّةُ فِي غَزَّةَ، وَتَتَوَاصَلُ الِاعْتِدَاءَاتُ فِي الضِّفَّةِ الْغَرْبِيَّةِ وَالْقُدْسِ.

إِنَّهُ مَوْقِفٌ يَرْبِطُ بَيْنَ الْأَمْنِ وَالْعَدَالَةِ، وَيُذَكِّرُ بِأَنَّ تَرْحِيلَ الْقَضَايَا الْجَوْهَرِيَّةِ لَا يَصْنَعُ سَلَامًا، وَأَنَّ تَجَاهُلَ الْحُقُوقِ لَا يُنْتِجُ اسْتِقْرَارًا. وَلَكِنَّ الرِّسَالَةَ الْأَهَمَّ فِي هَذَا الِانْتِقَالِ تَتَجَسَّدُ فِي السُّؤَالِ: كَيْفَ تُتَرْجَمُ هَذِهِ الثَّوَابِتُ إِلَى أَدَاءٍ دَاخِلِيٍّ؟ فَالْمَوْقِفُ الْخَارِجِيُّ يَحْتَاجُ إِلَى دَعْمٍ مُؤَسَّسِيٍّ، وَالدَّوْلَةُ الَّتِي تَدَافِعُ عَنْ الْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ فِي الْمَحَافِلِ الدَّوْلِيَّةِ مَطَالَبَةٌ أَنْ تُرَسِّخَ الْعَدَالَةَ وَالْمُسَاءَلَةَ وَحُسْنَ الْإِدَارَةِ فِي دَاخِلِهَا.

وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ دَوْرِ مَجْلِسِ الْأُمَّةِ، لَا بِوَصْفِهِ مَكَانًا لِلْخُطَبِ وَتَبَادُلِ الْمَوَاقِفِ فَقَطْ، بَلْ بِوَصْفِهِ مَجَالًا لِتَحْوِيلِ التَّوَجُّهَاتِ الْوَطَنِيَّةِ إِلَى تَشْرِيعَاتٍ وَرَقَابَةٍ وَمُسَاءَلَةٍ وَمُبَادَرَاتٍ تَخْدِمُ الْمُوَاطِنَ.

وَقَدْ وَضَعَ الْخِطَابُ أَمَامَ أَعْضَاءِ الْمَجْلِسِ تَكْلِيفًا وَاضِحًا: أَنْ يَكُونَ الْبَرْلَمَانُ صَوْتًا لِلْوَطَنِ، وَحَارِسًا لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَرَقِيبًا حَقِيقِيًّا عَلَى الْأَدَاءِ الْحُكُومِيِّ. وَهُنَا يَتَقَدَّمُ الِامْتِحَانُ الْبَرْلَمَانِيُّ مِنْ مَسْتَوَى الْحُضُورِ إِلَى مَسْتَوَى الْأَثَرِ. فَلَا يَكْفِي أَنْ تَكْثُرَ الْمُدَاخَلَاتُ، أَوْ تَتَعَدَّدَ الْمُؤْتَمَرَاتُ الصَّحَفِيَّةُ، أَوْ تَرْتَفِعَ حِدَّةُ الْخِطَابِ السِّيَاسِيِّ؛ فَالْبَرْلَمَانُ يُقَاسُ بِمَا يُنْجِزُهُ مِنْ تَشْرِيعٍ يُحْسِنُ تَنْظِيمَ الْحَيَاةِ، وَرَقَابَةٍ تَكْشِفُ الْخَلَلَ، وَمُسَاءَلَةٍ تُصَحِّحُ الْمَسَارَ، وَقُدْرَةٍ عَلَى تَمْثِيلِ مَطَالِبِ النَّاسِ بِمَسْؤُولِيَّةٍ وَمِهْنِيَّةٍ.

وَلَعَلَّ أَبْلَغَ مَا فِي الْخِطَابِ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُرْ قِيمَةَ الْمُمَثِّلِ النِّيَابِيِّ فِي الْقَوَانِينِ الَّتِي يُشَارِكُ فِي إِقْرَارِهَا، بَلْ وَسَّعَ الْمَعْيَارَ لِيَشْمَلَ السُّلُوكَ وَالْخِطَابَ وَأَدَبَ الِاخْتِلَافِ. فَقُبَّةُ الْبَرْلَمَانِ لَا تَكْتَسِبُ هَيْبَتَهَا مِنْ مَقْعَدِهَا أَوْ مِيكْرُوفُونَاتِهَا، بَلْ مِنْ مُسْتَوَى الْحِوَارِ الَّذِي يَجْرِي فِيهَا، وَمِنْ قُدْرَةِ أَعْضَائِهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ دُونَ تَجْرِيحٍ، وَالتَّنَافُسِ دُونَ تَخْوِينٍ، وَالدِّفَاعِ عَنِ الْمَوَاقِفِ دُونَ التَّفْرِيطِ فِي الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ. فَالِاخْتِلَافُ فِي الرَّأْيِ لَيْسَ عَائِقًا أَمَامَ الْعَمَلِ الْوَطَنِيِّ؛ إِنَّهُ يَصْبَحُ مَصْدَرَ قُوَّةٍ حِينَ تَكُونُ مَصْلَحَةُ الْأُرْدُنِّ هِيَ الْغَايَةَ الْمُشْتَرَكَةَ.

وَمِنْ قَبَّةِ الْبَرْلَمَانِ انْتَقَلَ الْخِطَابُ إِلَى مَسْأَلَةٍ أَكْثَرَ اتِّصَالًا بِحَيَاةِ النَّاسِ: مَعْنَى التَّنْمِيَةِ وَمِيزَانُهَا. فَلَيْسَتِ التَّنْمِيَةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي كَثْرَةِ الْخُطَطِ وَالْإِعْلَانَاتِ، وَلَا فِي حَجْمِ الْمَشْرُوعَاتِ عَلَى وَرَقِ الْخُطَطِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ؛ إِنَّمَا فِي الْأَثَرِ الَّذِي يَلْمَسُهُ الْمُواطِنُ فِي مَعِيشَتِهِ وَفُرَصِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَعِلَاجِهِ وَمُسْتَقْبَلِ أَبْنَائِهِ.

وَهَذَا مَعْيَارٌ يَضَعُ الْحُكُومَةَ أَمَامَ مَسْؤُولِيَّةِ تَحْوِيلِ الْمَشْرُوعَاتِ الْكُبْرَى وَالتَّحْدِيثِ الِاقْتِصَادِيِّ إِلَى فُرَصِ عَمَلٍ وَإِنْتَاجٍ وَتَحْسِينٍ مُلْمُوسٍ فِي مُسْتَوَى الْخَدَمَاتِ. فَالْمُواطِنُ لَا يَقِيسُ نَجَاحَ السِّيَاسَةِ بِجَمَالِ صِيَاغَتِهَا، بَلْ بِمَا تُحْدِثُهُ مِنْ فَرْقٍ فِي حَيَاتِهِ.

وَفِي سِيَاقِ الْأَوْلَوِيَّاتِ الْوَطَنِيَّةِ، بَرَزَ الْأَمْنُ الْمَائِيُّ بِوَصْفِهِ قَضِيَّةً اسْتِرَاتِيجِيَّةً تَتَجَاوَزُ الْخِدْمَةَ الْيَوْمِيَّةَ إِلَى سِيَادَةِ الْمُسْتَقْبَلِ. فَالْمَاءُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَوْرِدٍ مِنْ مَوَارِدِ الدَّوْلَةِ، بَلْ أَسَاسٌ لِلْحَيَاةِ وَالزِّرَاعَةِ وَالِاسْتِثْمَارِ وَالِاسْتِقْرَارِ الِاجْتِمَاعِيِّ.

وَعِنْدَمَا يُطْرَحُ أَمْنُ الْمِيَاهِ بِوَصْفِهِ أَوْلَوِيَّةً وَطَنِيَّةً، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَقِفُ عِنْدَ تَنْفِيذِ مَشْرُوعٍ أَوْ تَوْفِيرِ كَمِّيَّاتٍ إِضَافِيَّةٍ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى إِدَارَةٍ مُسْتَدَامَةٍ لِلْمَوَارِدِ، وَخُطَطٍ اسْتِبَاقِيَّةٍ، وَحِمَايَةٍ لِحُقُوقِ الْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ. فَالْأَمْنُ الْمَائِيُّ لَيْسَ مِلَفًّا فَنِّيًّا مُنْفَصِلًا عَنِ السِّيَاسَةِ وَالِاقْتِصَادِ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ صَلَابَةِ الدَّوْلَةِ وَقُدْرَتِهَا عَلَى التَّخْطِيطِ لِلْمُسْتَقْبَلِ.

وَفِي الْمُقَابِلِ، فَإِنَّ التَّأْكِيدَ عَلَى أَنَّ الْقَانُونَ لَا يَعْرِفُ اسْمًا وَلَا مَنْصِبًا وَلَا نُفُوذًا، يَضَعُ مَبْدَأَ الْمُسَاءَلَةِ فِي قَلْبِ مَعْنَى هَيْبَةِ الدَّوْلَةِ. فَالْوَظِيفَةُ الْعَامَّةُ لَيْسَتْ امْتِيَازًا يُعْلِي صَاحِبَهَا عَلَى النَّاسِ، بَلْ أَمَانَةٌ تُلْزِمُهُ بِخِدْمَتِهِمْ؛ وَالْمَنْصِبُ لَيْسَ حِصْنًا مِنَ الْمُسَاءَلَةِ، بَلْ مَسْؤُولِيَّةٌ أَكْبَرُ تَسْتَدْعِي نَزَاهَةً وَكَفَاءَةً وَانْضِبَاطًا.

وَهُنَا تَتَجَلَّى حِكْمَةُ الدَّوْلَةِ فِي أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ قُوَّةِ الْقَانُونِ وَعَدَالَةِ تَطْبِيقِهِ، وَأَنْ تُرْسِي ثَقَافَةً مُؤَسَّسِيَّةً لَا تَحْمِي الْمُخْطِئَ بِالنُّفُوذِ، وَلَا تَتَغَاضَى عَنِ الْخَلَلِ بِسَبَبِ الْمَوْقِعِ.

إِنَّ خِطَابَ الْعَرْشِ، فِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ، لَا يَكْتَمِلُ مَعْنَاهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ، وَلَا تَكْفِي الْإِشَادَةُ بِمَضَامِينِهِ لِتَحْقِيقِ غَايَاتِهِ. فَالْقِيمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَكْمُنُ فِي مَا يَلِيهِ: كَيْفَ سَيَتَعَامَلُ مَجْلِسُ الْأُمَّةِ مَعَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ؟ وَكَيْفَ سَتُحَوِّلُ الْحُكُومَةُ التَّوْجِيهَاتِ إِلَى بَرَامِجَ مُمَوَّلَةٍ وَجَدَاوِلَ زَمَنِيَّةٍ وَمُؤَشِّرَاتِ إِنْجَازٍ؟ وَكَيْفَ سَيَتِمُّ قِيَاسُ الْأَثَرِ، لَا مُجَرَّدُ عَدِّ الْمَشْرُوعَاتِ وَالْإِجْرَاءَاتِ؟ إِنَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ هِيَ الَّتِي تَنْقُلُ الْخِطَابَ مِنْ مَجَالِ الرِّسَالَةِ إِلَى مَجَالِ الْإِنْجَازِ، وَمِنْ مَسْتَوَى التَّوْجِيهِ إِلَى مَسْتَوَى الْمُسَاءَلَةِ. فَمِنَ الْمُنْتَظَرِ أَنْ يَكُونَ رَدُّ مَجْلِسِ الْأُمَّةِ عَلَى خِطَابِ الْعَرْشِ أَكْثَرَ مِنْ صِيَاغَةٍ إِنْشَائِيَّةٍ تُعِيدُ تَرْتِيبَ الْعِبَارَاتِ؛ إِنَّهُ فُرْصَةٌ لِتَحْدِيدِ الْأَوْلَوِيَّاتِ، وَتَحْوِيلِهَا إِلَى مَسَارَاتٍ تَشْرِيعِيَّةٍ وَرَقَابِيَّةٍ، وَمُتَابَعَةِ مَا تَعِدُ بِهِ الْحُكُومَةُ، وَمُسَاءَلَتِهَا عَنْ مَا أَنْجَزَتْهُ وَمَا تَعَثَّرَ مِنْ بَرَامِجِهَا. فَقِيمَةُ الْبَرْلَمَانِ تَظْهَرُ حِينَ يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ نَبْضِ النَّاسِ، قَادِرًا عَلَى سَمَاعِ مَطَالِبِهِمْ، وَمُدْرِكًا لِأَنَّ الْمُوَاطِنَ لَا يَنْتَظِرُ مِنْهُ خِطَابًا يُطَمْئِنُهُ فَقَطْ، بَلْ قَرَارًا يُحَسِّنُ وَاقِعَهُ وَيَحْمِي مُسْتَقْبَلَهُ.

إِنَّ مَا يَمْنَحُ خِطَابَ الْعَرْشِ مَعْنَاهُ الْأَعْمَقَ هُوَ هَذَا الِانْتِقَالُ مِنَ الْمَوْقِفِ إِلَى الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَمِنَ الْمَنْبَرِ إِلَى الْمَيْدَانِ، وَمِنْ ثَوَابِتِ الدَّوْلَةِ إِلَى سُلُوكِ مُؤَسَّسَاتِهَا. فَالْأُرْدُنُّ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ صَوْتَهُ بِثَبَاتٍ فِي الْمَحَافِلِ الدَّوْلِيَّةِ، عَلَيْهِ أَنْ يُعَزِّزَ فِي الدَّاخِلِ مَنَاعَةَ مُؤَسَّسَاتِهِ، وَعَدَالَةَ قَوَانِينِهِ، وَكَفَاءَةَ إِدَارَتِهِ، وَقُدْرَةَ سُلْطَاتِهِ عَلَى خِدْمَةِ النَّاسِ وَصَوْنِ كَرَامَتِهِمْ.

وَفِي الْخِتَامِ، لَيْسَ الِاخْتِبَارُ الْحَقِيقِيُّ لِخِطَابِ الْعَرْشِ فِي بَلَاغَةِ كَلِمَاتِهِ وَحْدَهَا، بَلْ فِي قُدْرَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ عَلَى تَحْوِيلِهَا إِلَى وَاقِعٍ. فَمِنْ مَنَابِرِ الْعَالَمِ يَنْطَلِقُ الْمَوْقِفُ، وَمِنْ قُبَّةِ الْبَرْلَمَانِ يَبْدَأُ الِاسْتِحْقَاقُ التَّشْرِيعِيُّ وَالرَّقَابِيُّ، وَفِي الْمَيْدَانِ يَظْهَرُ الْإِنْجَازُ، وَفِي حَيَاةِ الْمُواطِنِ تُقَاسُ الْحَقِيقَةُ. فَالدَّوْلَةُ لَا تَكْتَفِي بِأَنْ تَقُولَ مَا تُرِيدُ، بَلْ تُثْبِتُ قُوَّتَهَا بِمَا تُنْجِزُهُ؛ وَلَا تَكْتَفِي بِأَنْ تُؤَكِّدَ مَوَاقِفَهَا، بَلْ تَحْمِي مِصْدَاقِيَّتَهَا بِعَدَالَةِ مُمَارَسَاتِهَا. فَخِطَابُ الْعَرْشِ لَيْسَ نِهَايَةَ الْكَلِمَةِ، بَلْ بِدَايَةُ الِامْتِحَانِ: أَنْ تَصْبِحَ الرِّسَالَةُ قَرَارًا، وَالْقَرَارُ عَمَلًا، وَالْعَمَلُ أَثَرًا يَلْمَسُهُ الْأُرْدُنِّيُّ فِي أَمْنِهِ وَكَرَامَتِهِ وَمَعِيشَتِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :