facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إيران تغيّر النظام في أمريكا بدلاً من أن تغيّر أمريكا النظام في إيران!


مؤيد المجالي
04-11-2026 04:30 PM

*حين ارتدت الحرب على صانعها، وانتقلت معركة طهران إلى صناديق الاقتراع في واشنطن

ثمة مفارقات في السياسة الدولية لا تحتاج إلى انتصار عسكري كي تكشف عن نفسها؛ يكفي أحياناً أن تنظر إلى نتائج المعركة في المكان الذي لم يكن طرفاً مباشراً في ميدانها، لتكتشف أن الحرب قد تصيب صاحب القرار بقدر ما تصيب خصمه، وأن القوة التي تُستخدم لإعادة تشكيل الآخرين قد تتحول إلى عامل في إعادة تشكيل الدولة التي تستخدمها.

هذا ما تكشفه انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في الثالث من تشرين الثاني 2026، والتي انتهت بخسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وانتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين، في تحول انتخابي كبير وضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام واقع سياسي جديد، بعد عامين من سيطرة جمهورية على السلطتين التشريعية والتنفيذية.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن الحرب الأمريكية على إيران كانت من بين العوامل التي حضرت بقوة في حسابات الناخب الأمريكي، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة والقلق الاقتصادي والاعتراض على أداء الإدارة والاتهامات المتعلقة بالفساد.

وهنا يبرز السؤال الذي يصلح عنواناً لهذه اللحظة السياسية: هل أرادت الولايات المتحدة تغيير النظام في إيران، فإذا بالحرب تصبح أحد العوامل التي ساهمت في تغيير موازين السلطة داخل الولايات المتحدة نفسها؟

من تغيير النظام إلى ارتداد الحرب:

منذ أن جعلت الإدارة الأمريكية المواجهة مع إيران محوراً أساسياً في سياستها، بدا أن واشنطن تتعامل مع القوة العسكرية باعتبارها أداة قادرة على فرض وقائع استراتيجية جديدة، وإعادة صياغة سلوك الخصم، وربما دفعه إلى تغيير بنيته السياسية.

لكن المشكلة في الحروب أنها لا تسير دائماً وفق الحسابات التي يضعها صانعوها. فالحرب ليست مجرد صواريخ تُطلق وأهداف تُدمّر وبيانات عسكرية تصدر؛ إنها منظومة من التداعيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تمتد إلى ما وراء حدود الدولة المستهدفة، وقد تصل إلى عمق الدولة التي قررت إشعالها.

فالقرار العسكري الذي يُتخذ في البيت الأبيض لا يبقى محصوراً في غرف الأمن القومي، بل ينتقل إلى الأسواق، وأسعار الطاقة، والموازنات العامة، ومعيشة المواطنين، ثم يعود إلى السياسة الداخلية، حيث لا يستطيع الرئيس أن يطلب من الناخب الأمريكي تجاهل فاتورة الحرب أو إعفاء إدارته من مسؤولية نتائجها.

لقد اكتشف الأمريكيون أن السياسة الخارجية ليست شأناً بعيداً عن حياتهم اليومية، وأن الحرب التي تُخاض باسم الأمن القومي يمكن أن تتحول إلى عبء على أمنهم الاقتصادي والاجتماعي.

إيران لم تحتج إلى إسقاط النظام الأمريكي:

ليس المقصود أن إيران أسقطت النظام السياسي الأمريكي، أو أنها تحكمت بنتائج الانتخابات، فهذه الانتخابات جرت وفق الآليات الدستورية الأمريكية، وعبّر الناخبون من خلالها عن خياراتهم وتقييمهم لأداء إدارتهم.

لكن المفارقة أن الدولة التي كانت هدفاً لسياسة الضغط العسكري والسياسي الأمريكي استطاعت أن تجعل المواجهة معها قضية داخلية أمريكية، وأن تتحول كلفة هذه المواجهة إلى أحد العوامل المؤثرة في الحسابات الانتخابية.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: أن تنتصر دولة عسكرياً على خصمها، وأن تنجح في جعل خصمها يدفع أثماناً سياسية واقتصادية داخلية بسبب الحرب. فهما ليسا بالضرورة شيئاً واحداً.

قد لا تستطيع إيران فرض إرادتها على واشنطن، لكنها ليست مضطرة إلى ذلك كي تحقق مكسباً سياسياً غير مباشر؛ إذ يكفي أن تصبح الحرب معها عبئاً على الإدارة الأمريكية، وأن تتحول نتائجها إلى مادة للمحاسبة الشعبية، وأن يجد الرئيس نفسه أمام كونغرس تسيطر عليه المعارضة.

إنها معادلة الارتداد: عندما لا تبقى الحرب في أرض الخصم، بل تعود إلى الداخل الأمريكي في صورة انقسام سياسي وتراجع انتخابي وتقييد لسلطة الإدارة.

صناديق الاقتراع جبهة أخرى للحرب:

ما حدث في الانتخابات الأمريكية يذكّر بأن القوة العسكرية ليست المقياس الوحيد للنفوذ، وأن امتلاك القدرة على تدمير الأهداف لا يعني امتلاك القدرة على التحكم في النتائج السياسية للحرب.

فالولايات المتحدة تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، وتستطيع تحريك أساطيلها وطائراتها ومواردها في مناطق متعددة، لكنها تظل دولة تخضع فيها السلطة التنفيذية لموازين دستورية وانتخابية، ويستطيع الناخب أن يحاسب الحزب الحاكم، وأن يعيد توزيع القوة داخل المؤسسات.

والنتيجة التي أفرزتها الانتخابات لا تعني سقوط الرئيس ترامب، ولا انتهاء الحرب تلقائياً، ولا انتصار إيران بالمعنى العسكري. لكنها تعني أن الإدارة الأمريكية دخلت مرحلة مختلفة، عنوانها حكومة منقسمة، ورقابة تشريعية أشد، وقدرة أكبر للمعارضة على تعطيل التشريعات ومراقبة أداء الإدارة وفتح التحقيقات.

كما أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ تمنحهم قدرة على عرقلة بعض التعيينات، فيما تمنحهم السيطرة على مجلس النواب أدوات رقابية وتشريعية مهمة. وهذا يعني أن استمرار السياسة الأمريكية تجاه إيران لن يكون بالضرورة محكوماً بالحسابات ذاتها التي سبقت الانتخابات.

الخطأ الاستراتيجي: الاعتقاد بأن الحرب يمكن التحكم في نهايتها:

المشكلة الكبرى في التفكير الاستراتيجي هي الاعتقاد بأن الدولة التي تبدأ الحرب تستطيع وحدها تحديد شروط انتهائها، وأن التفوق العسكري يمنحها بالضرورة تفوقاً سياسياً.

التاريخ يقدم شواهد كثيرة على أن الدول قد تحقق مكاسب عسكرية في الميدان، ثم تجد نفسها أمام نتائج سياسية لا تستطيع التحكم بها. فالحرب قد تضعف الخصم، لكنها قد تستنزف صاحبها أيضاً، وقد تنجح في تدمير بنية عسكرية، لكنها تفشل في تحقيق الهدف السياسي الذي شُنت من أجله.

والأخطر أن تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق هدف استراتيجي إلى هدف قائم بذاته، بحيث يصبح استمرارها ضرورة لتبرير القرارات السابقة، حتى عندما تتغير الظروف وتتراكم التكاليف.

في هذه الحالة، لا تعود القيادة السياسية تسأل: ما الذي نريد تحقيقه من الحرب؟ بل تصبح أسيرة سؤال آخر: كيف نبرر ما أنفقناه وما خسرناه وما اتخذناه من قرارات؟

وهذا أحد الاختبارات الصعبة التي تواجه إدارة ترامب بعد الانتخابات.

ما الذي تعنيه هذه النتائج للعالم؟

إن انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين لا يعني أن الولايات المتحدة ستتخلى عن مصالحها الاستراتيجية، أو أن الحزبين سيختلفان بالضرورة حول جميع الملفات الخارجية، فالمؤسسات الأمريكية تمتلك قدراً كبيراً من الاستمرارية في قضايا الأمن القومي والسياسة الدولية.

لكن ما تغير هو البيئة السياسية التي تُصنع فيها القرارات، وحدود الحركة المتاحة للرئيس، وكلفة الاستمرار في خيارات قد لا تحظى بتأييد شعبي كافٍ.

وهذا تطور يستحق أن تراقبه دول المنطقة، لا من زاوية الرهان على انتصار حزب أمريكي على آخر، وإنما من زاوية فهم طبيعة التحولات في القرار الأمريكي، ومدى انعكاسها على ملفات الشرق الأوسط، والتحالفات الإقليمية، وأمن الطاقة، ومستقبل المواجهة مع إيران.

كما أن الدرس الأهم للدول الصغيرة والمتوسطة هو أن التحولات الكبرى لا تُقرأ فقط من خلال نتائج المعارك، وإنما من خلال أثرها في المجتمعات والاقتصادات والمؤسسات السياسية للدول المنخرطة فيها.

لم تتغير طهران، لكن واشنطن تغيرت موازينها:

قد تكون إيران خرجت من هذه المواجهة مثقلة بالأضرار والتحديات، وقد تكون الولايات المتحدة حققت أهدافاً عسكرية معينة، لكن السياسة لا تقيس النتائج بعدد الأهداف التي دُمّرت، ولا بعدد الطائرات التي عادت إلى قواعدها، بل بما تحقق من أهداف استراتيجية، وبما ترتب على ذلك من أثمان داخلية وخارجية.

لقد أرادت واشنطن أن تعيد تشكيل إيران، فإذا بالمواجهة معها تصبح أحد العوامل التي أعادت تشكيل المشهد السياسي الأمريكي.

وليس معنى ذلك أن إيران غيّرت النظام في أمريكا، بل إن الحرب التي استهدفت إيران ساهمت في تغيير موازين السلطة داخل واشنطن، وأعادت إلى الواجهة حقيقة أن الديمقراطية الأمريكية، مهما امتلكت الدولة من قوة عسكرية، تظل قادرة على تحويل نتائج السياسة الخارجية إلى حساب انتخابي داخلي.

فالدول لا تخسر حروبها دائماً عندما تُهزم جيوشها، وقد تبدأ خسارتها الحقيقية عندما يعجز قادتها عن إقناع شعوبهم بجدوى الحرب.

أرادت أمريكا تغيير النظام في إيران، لكن الانتخابات الأمريكية طرحت سؤالاً أكثر إحراجاً: من يملك حق تغيير السياسات الأمريكية عندما يدفع المواطن ثمنها؟
والإجابة، في هذه المرة، جاءت من صناديق الاقتراع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :