facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الصحوة الإسلامية .. كيف خدمت أمريكا ودفعنا الثمن مرتين


م. وائل سامي السماعين
03-11-2026 05:21 PM

لقد شاهدت وعاصرت جانباً من مسيرة ما عُرف بالصحوة الإسلامية، وكان الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، رحمه الله، أحد أبرز وجوهها من قطر. لم تكن بالنسبة إليّ حكاية قرأتها بعد انقضاء أحداثها؛ فقد تابعت خطابها وبرامجها، وشهدت اتساع حضورها، ثم رأيت كيف اصطدمت وعودها بواقع عربي تتنازعه الولاءات والصراعات.

ذهبت إلى قطر بصحبة والدي قبيل استقلالها عن بريطانيا في عام 1969، في مرحلة بدأت فيها طلائع الضباط الأردنيين تصل للمساهمة بخبراتها في بناء المؤسسات العسكرية والأمنية وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة والقوات المسلحة القطرية. وأحتفظ من تلك السنوات باعتزاز بالدور الذي أدّاه الأردنيون، وبصورة رجال يعملون في تأسيس مؤسسات الدولة وتطوير قدراتها.

وفي ذلك البلد الذي كان يبني مؤسساته، كان يتشكل أيضاً حضور ديني وفكري سيترك أثراً يتجاوز حدوده. فقد وصل القرضاوي إلى الدوحة عام 1961، معاراً من مصر لتولي إدارة المعهد الديني الثانوي. ومن هناك بدأت مرحلة طويلة جمع فيها بين التعليم والدعوة والتأليف والإعلام.

ومع مطلع السبعينيات، اتسع حضوره عبر الإذاعة والتلفزيون القطريين؛ فعُرف ببرنامج «نور وهداية» إذاعياً، و«هدى الإسلام» تلفزيونياً. ثم أسس قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية عام 1973، وأصبح العميد المؤسس لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر عام 1977، واستمر في عمادتها حتى 1990. وهكذا تعززت مكانته الأكاديمية بحضوره المتكرر في بيوت الناس.

وما زلت أذكر حرصي على متابعة «هدى الإسلام» وغيره من البرامج، حباً للاستماع وشغفاً بالنقاش. لكن بعض الإجابات كانت تثير في نفسي تساؤلات وقلقاً؛ كنت أشعر، وأنا صغير، أن عالمنا العربي يمضي في اتجاهات متضاربة، وأن لكل تيار بوصلة تخصه.

كان هناك الديني والدعوي، والناصري والبعثي والقومي والشيوعي. ولم يكن ما يقلقني وجود الاختلاف، بل غياب الحد الأدنى الذي يجمع المختلفين: ما الدولة التي نريدها؟ وما حقوق المواطن فيها؟ وكيف نختلف من دون أن ينفي أحدنا الآخر؟

وعندما بلغت الثامنة عشرة، أُرسلت إلى بريطانيا للدراسة. وهناك حرصت على قراءة الصحف ومتابعة بعض نقاشات البرلمان البريطاني. لم أجد مجتمعاً خالياً من الصراع، لكن ما لفتني كان حضور قضايا الحياة اليومية والخدمات والتعليم والعمل في النقاش العام، وقدرة المختلفين على الاحتكام إلى مؤسسات وقواعد مشتركة.

بدأت أفهم أن المشكلة ليست في أن نختلف، وإنما في أن نختلف على كل شيء، حتى على القواعد التي تسمح لنا بالعيش معاً. كانت تلك، بالنسبة إليّ، إحدى أهم دروس سنوات الدراسة.

وبعد تخرجي وعودتي إلى قطر، واصلت متابعة صعود الصحوة. كانت دائرة القرضاوي تتسع خارج البلاد أيضاً؛ ففي 1982 زار الجزائر للمرة الأولى، بحسب مذكراته، مشاركاً في ملتقى الفكر الإسلامي بتلمسان. ثم تكررت زياراته، وانتقل إليها معاراً خلال العام الدراسي 1990–1991، رئيساً للمجلس العلمي بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية ومستشاراً لوزارة الشؤون الدينية.

في السودان، يروي الشيخ يوسف القرضاوي أنه شارك عام 1984 في مسيرة مؤيدة لتطبيق الشريعة الإسلامية في عهد الرئيس جعفر نميري، في مرحلة اختلط فيها الخطاب الديني بالسياسة، وأصبحت التعبئة الدينية وسيلة لحشد الجماهير خلف قرارات السلطة.

وأذكر من تلك المرحلة حادثة اعتقال رجل دين مسيحي أجنبي وجلده بتهمة حيازة الخمر، وهي حادثة تركت في نفسي أثراً عميقاً. يومها شعرت أن السودان بدأ يسير في طريق خطير، ليس بسبب الدين، وإنما بسبب ضيق أفق من يحكمونه وسوء تقديرهم لأولويات الدولة.

وتساءلت حينها، وما زلت أتساءل: هل جلد رجل دين يبني اقتصاداً، أو يطعم جائعاً، أو يعالج مريضاً، أو ينهض بأمة؟ وهل كانت تلك هي الأولويات التي يحتاجها السودان وشعبه؟

لقد كان السودان بلداً غنياً بموارده وثرواته وإمكاناته البشرية، لكنه كان بحاجة إلى التنمية والعدالة والتعليم وبناء المؤسسات، لا إلى استعراض السلطة باسم الدين. فالدول لا تنهض بجلد الناس وإذلالهم، وإنما بالعلم والعمل والعدل واحترام كرامة الإنسان.

ثم جاءت الجزيرة عام 1996، ومعها برنامج «الشريعة والحياة»، ليتسع نطاق وصوله إلى الجمهور. لم يعد المشاهد يتابع إجابة عن شأن شخصي فحسب، بل رأياً في صراعات المنطقة ومواقف سياسية تُقدَّم من موقع المرجعية الدينية.

وقد عبّر القرضاوي عن ارتباطه العميق بالصحوة الإسلامية في الجزائر خلال برنامج «الشريعة والحياة»، في حلقة «المسؤولية الشرعية في أحداث الجزائر»، التي قدّمها أحمد منصور، والمؤرخة في أرشيف الجزيرة بتاريخ 1 شباط 1998، قائلاً: «عايشت هذه الصحوة وكأنها قطعة من قلبي، أو فلذة من كبدي». تختصر هذه العبارة مقدار ارتباطه الوجداني بتجربة شارك فيها، ولم يكن مجرد مراقب لها. وفي الحلقة نفسها أدان قتل المدنيين والأبرياء.

لكنه دافع لاحقاً، عام 2001، عن التفجيرات الفلسطينية التي سماها «عمليات استشهادية»، وطرح تبريرات طمست التمييز بين المدني والمقاتل في المجتمع الإسرائيلي. وهنا تصبح مساءلة الفتوى وأثرها في عقول الشباب ضرورة؛ فعدالة القضية لا تمنح استهداف المدنيين شرعية.

لم تكن تعبئة الشباب تصنعها شخصية واحدة. في تقديري، نشأت قوتها من تضافر المنبر والكتاب والبرنامج والملتقى، ومن ربط مظالم حقيقية بواجب ديني يشعر الشاب أنه مطالب بأدائه. ولفهم التقاء هذه التعبئة بالمصالح الدولية، لا بد من العودة إلى الحرب الأفغانية في الثمانينيات، قبل مرحلة الجزيرة واتساع تأثيرها.

فقد دعمت الولايات المتحدة، عبر وكالة الاستخبارات المركزية، المقاومة الأفغانية ضد السوفييت، بالتعاون مع باكستان ودول عربية عديدة. وتكشف مذكرة للوكالة في حزيران 1980 تفاصيل نقل الأسلحة وتوزيعها عبر باكستان. كان لواشنطن هدف استراتيجي واضح، بينما دخل متطوعون عرب تلك الساحة بدوافع دينية.

وهنا التقت الحماسة العقائدية بالمصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ولا يعني هذا بالضرورة وجود علاقة مباشرة بين الشيخ يوسف القرضاوي والاستخبارات الأمريكية، أو أن واشنطن كانت تدير جميع المتطوعين العرب. فقد أشار تقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر إلى أن أسامة بن لادن ورفاقه امتلكوا مصادرهم الخاصة للتمويل والدعم والتدريب.

وكان من بين الداعمين رجال أعمال ومتبرعون من دول عربية مختلفة، ساهموا في تمويل الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي. وأذكر أنني شاهدت بنفسي آلاف الشباب العرب والأفغان المتطوعين يخضعون للفحوصات الطبية تمهيداً لإرسالهم إلى أفغانستان.

وهكذا، تلاقت التعبئة الدينية مع المصالح الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وإن اختلفت الدوافع والأهداف. فقد كان هؤلاء الشباب يعتقدون أنهم يخوضون حرباً دفاعاً عن الدين، بينما كانت واشنطن ترى في استنزاف الاتحاد السوفيتي مكسباً استراتيجياً كبيراً.

والمفارقة المؤلمة أن أمريكا جنت مكاسب الحرب الباردة، بينما دفعت المجتمعات العربية لاحقاً ثمناً باهظاً من أمنها واستقرارها، عندما عاد بعض أولئك المقاتلين بأفكار أكثر تطرفاً، تحوّل بعضها إلى تنظيمات إرهابية استهدفت أوطانهم ومجتمعاتهم.

وجاء الثمن الأمني الأول حين استمرت بعض الشبكات المسلحة بعد الحرب، وانتقلت خبراتها وعلاقاتها إلى صراعات جديدة. لم يتحول جميع العائدين إلى إرهابيين، لكن بعضهم أصبح جزءاً من مسار عنيف تجاوز أفغانستان، وهدد مجتمعات عربية وغيرها. ولم تسلم الولايات المتحدة نفسها لاحقاً من إرهاب القاعدة، حيث مزقت المجموعات الارهابية المجتمعات العربية لاحقا وحتى يومنا هذا.

أما الثمن الثاني، فأراه في استنزاف فرص بناء مشروع عربي مستقل: طاقات انصرفت إلى التعبئة والصراع، ومجتمعات انشغلت بمعالجة النتائج، فيما واصلت القوى الكبرى إعادة ترتيب علاقاتها وفق مصالحها. لقد كانت هناك كلفة أمنية مباشرة، وكلفة تنموية وفكرية امتدت إلى أجيال لاحقة.

ومن هنا أنظر إلى التعاون الروسي الإيراني المتنامي، وأتساءل: هل نسيت موسكو أن دولاً عربية ساهمت في دعم المقاتلين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي، وكانت طرفاً في استنزافه حتى انسحابه من أفغانستان؟ وهل يدفع العرب اليوم، بصورة غير مباشرة، ثمن مواقف اتخذوها قبل أربعة عقود؟

لا أقول إن الدعم الروسي لإيران هو انتقام من العرب، فالعلاقات الدولية تحكمها المصالح قبل العواطف. لكن من الصعب تجاهل الدور الكبير الذي لعبته روسيا، من خلال خبرائها وتقنياتها، في تطوير القدرات النووية الإيرانية، إلى جانب التعاون العسكري والتقني في مجالات الصواريخ والتسليح. وقد تطورت هذه العلاقة على مدى عقود، رغم ما شهدته من توترات وتقلبات، حتى أصبحت إيران شريكاً استراتيجياً مهماً لموسكو.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية: بالأمس ساهم العرب في حرب استنزفت الاتحاد السوفيتي وخدمت المصالح الأمريكية، واليوم يجدون أنفسهم أمام إيران تستفيد من التعاون مع روسيا، وريثة ذلك الاتحاد السوفيتي.

والدرس الذي ينبغي أن نتعلمه هو أن الدول الكبرى لا تبني تحالفاتها على الوفاء أو رد الجميل، بل على مصالحها المتغيرة. أما نحن العرب، فقد آن الأوان أن نراجع قراراتنا وتحالفاتنا، وأن نحاسب أنفسنا على نتائجها، بما في ذلك دور الصحوة الإسلامية في تعبئة الشباب وتداعياتها اللاحقة.

فالأمم التي لا تتعلم من أخطاء تاريخها قد تجد نفسها تدفع ثمنها مرتين: مرة عندما تتخذ القرار، ومرة عندما تظهر نتائجه بعد عقود.

والمطلوب اليوم صحوة علمية وحضارية تعيد للأستاذ الجامعي والمعلم مكانتهما، وللبحث العلمي موارده وحريته، وللإنسان حقوقه وكرامته. صحوة تجعل المواطنة أساس العلاقة بين الناس والدولة، وتمنح الشباب فرصة لبناء مستقبلهم داخل أوطانهم.

لقد عاصرت زمناً حشدنا فيه الشباب حول معارك العقيدة والسياسة. وأتمنى أن نشهد زمناً نحشدهم فيه حول المعرفة والإنتاج وحقوق الإنسان؛ فهذه هي الثورة التي تستحق أن تقودنا إلى بر الأمان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :