facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن وسوريا… هندسة السيادة ومعادلة الاستقرار الإقليمي


بهاء الشنتير
27-10-2026 06:23 PM

في الجغرافيا السياسية، لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على الردع فحسب، بل بقدرتها على هندسة موقعها الاستراتيجي في بيئة مضطربة، وتحويل التهديدات إلى معادلات قابلة للإدارة، من دون التفريط في سيادتها أو الانزلاق إلى مواجهات تستنزف مصالحها. فالدولة التي تدرك طبيعة موقعها لا تنتظر اكتمال الخطر كي تتحرك، ولا تخلط بين ضبط النفس والجمود، ولا تسمح للاضطراب المحيط بها بأن يصبح محدِّدًا لقرارها الوطني. ومن هذا المنطلق، ينبغي قراءة العمليات العسكرية الأردنية التي استهدفت مواقع لتنظيم داعش في جنوب سوريا ضمن سياق يتجاوز الحدث الميداني إلى فلسفة الدولة في حماية أمنها الوطني وإدارة علاقاتها الإقليمية.

إن الأردن لا ينظر إلى حدوده باعتبارها خطوطًا جغرافية فاصلة فحسب، بل بوصفها فضاءً تتقاطع فيه تحديات الأمن الوطني مع تعقيدات البيئة الإقليمية. وفي المفهوم الاستراتيجي، لا تتحقق السيادة بمجرد الاعتراف القانوني بها، وإنما بقدرة الدولة على ممارستها فعليًا، ورصد التهديدات، ومنع تمددها، وحماية مواطنيها. وحين تسعى التنظيمات الإرهابية إلى استثمار الفراغات الأمنية وتحويلها إلى ممرات للعبور والتسليح والتمويل، يصبح الردع الوقائي جزءًا من مسؤولية الدولة، لا مجرد خيار عسكري ضمن خياراتها.

لكن قوة الموقف الأردني لا تكمن في الحزم وحده، بل في القدرة على الجمع بين الردع والاحتواء، وبين حماية المصالح الوطنية والإبقاء على مسارات التعاون السياسي. فالقوة، في حسابات الدول الراسخة، ليست غاية مستقلة؛ إنها أداة لحماية السيادة ومنع الآخرين من فرض وقائع أمنية على الدولة. ومن هنا، فإن الرسالة الأردنية تتجاوز استهداف مواقع إرهابية إلى تأكيد أن أمن المملكة ليس مجالًا للمساومة، وأن الانفتاح على الأشقاء لا يعني التساهل مع التهديدات.

وفي المقابل، تفرض العلاقة الأردنية السورية مقاربة سياسية دقيقة؛ إذ تكشف التطورات عن معضلة الأمن الإقليمي، حيث قد تتقاطع الغاية الأمنية مع حساسيات السيادة وآليات اتخاذ القرار. وقد برز ذلك في التباين المعلن بين عمّان ودمشق بشأن التنسيق المسبق للعملية، وهو تباين ينبغي التعامل معه بجدية وشفافية، لا تجاوزه بالمجاملات السياسية. فمشروعية حماية الأمن الوطني لا تلغي الحاجة إلى تفاهمات واضحة بشأن إدارة المجال الحدودي، كما أن اختلاف التقديرات لا ينبغي أن يتحول إلى شرخ في علاقات يفرض عليها الجوار مصالح مشتركة ومسؤوليات متبادلة.

وهنا تبرز أهمية تشكيل إطار مشترك للتنسيق ومتابعة تداعيات العملية، إذا ما جرى تثبيته رسميًا وتفعيله عمليًا؛ إذ إن القيمة الحقيقية لأي آلية مشتركة تكمن في قدرتها على بناء منظومة مؤسسية لخفض المخاطر، وتبادل المعلومات، والتحقق من التهديدات، ومنع سوء التقدير. فالدبلوماسية الفاعلة لا تكتفي باحتواء الأزمات بعد وقوعها، بل تمارس ما يمكن تسميته دبلوماسية منع الانزلاق؛ أي الحيلولة دون تحول الحوادث الأمنية إلى أزمات سياسية أوسع.

إن التحدي لا يكمن في مواجهة تنظيم إرهابي فحسب، بل في حرمانه من استثمار الفجوات بين الدول. فالإرهاب يقتات على هشاشة المؤسسات، وتضارب الأولويات، وضعف التنسيق، والفراغات التي تتحول إلى مناطق رمادية خارج السيطرة الفاعلة. ولذلك، فإن التعاون الأردني السوري في مكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة ليس انتقاصًا من استقلال القرار، بل توظيفٌ للسيادة في حماية المصالح المشتركة. فهناك فرق جوهري بين التنسيق الأمني والتطابق السياسي؛ إذ تستطيع الدول أن تحتفظ بتقديراتها الوطنية المستقلة، وأن تتعاون في مواجهة الأخطار التي تهدد استقرارها معًا.

ومن منظور أوسع، تتجسد هنا معادلة الاعتماد الأمني المتبادل؛ فاستقرار الحدود لا تصنعه دولة بمفردها حين تكون مصادر التهديد عابرة لها، كما أن اضطراب إحدى الجبهتين قد ينعكس مباشرة على الأخرى. ولهذا، فإن استقرار سوريا ووحدة أراضيها وفاعلية مؤسساتها تمثل عناصر مهمة في الأمن الاستراتيجي الأردني، مثلما يشكل أمن الأردن واستقراره مصلحة لجاره السوري. إن الجغرافيا، التي قد تتحول في ظروف الفوضى إلى مصدر للمخاطر، يمكن أن تصبح، عبر التنسيق المسؤول، رافعةً للاستقرار الإقليمي.

ولا تنفصل هذه المقاربة عن البعد الإنساني والقانوني. فقد أعرب الأردن عن أسفه لسقوط ضحايا مدنيين، وأكد اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب الإضرار بالأبرياء. وهذه المسؤولية ليست تفصيلًا أخلاقيًا على هامش الحسابات الأمنية، بل جزء من شرعية العمل وفاعليته على المدى البعيد؛ فنجاح المواجهة لا يُقاس بتحييد التهديد المباشر وحده، وإنما أيضًا بتقليل الأضرار المدنية، واحترام قواعد القانون الدولي المنطبقة، ومنع التداعيات الإنسانية من تقويض أهداف العملية.

وفي هذا السياق، لا يجوز أن تظل مكافحة الإرهاب عبئًا تتحمله الدول الأكثر تعرضًا لارتداداته الجغرافية. فالمطلوب دوليًا يتجاوز بيانات الإدانة إلى شراكة عملية تدعم قدرات الدول، وتواجه شبكات التمويل والتسليح، وتمنع التنظيمات المتطرفة من إعادة بناء قدراتها في مناطق الهشاشة، مع احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. فالاستقرار المستدام لا يتحقق بتوسيع دوائر النزاع، بل بتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على حماية المجتمعات وفرض القانون.

أما الأردن، فقد أثبت عبر استضافته الأشقاء السوريين وتحمله أعباء إنسانية واقتصادية كبيرة أن علاقته بسوريا لا تُختزل في الحسابات الأمنية الآنية. فالأخوّة في السياسة ليست شعارًا للاستهلاك، بل مسؤولية تُختبر في الشدائد، غير أنها لا تعني تعليق مقتضيات السيادة أو القبول باستمرار التهديدات. والعلاقات الراسخة لا تُبنى على تجنب الملفات الحساسة، بل على الصراحة السياسية، ووضوح التفاهمات، والقدرة على إدارة الاختلاف دون التضحية بالمصالح الاستراتيجية.

وهنا تتجلى مسؤولية القيادة السياسية في الحفاظ على مسارين متكاملين: حماية الأمن الوطني بكل ما يقتضيه من يقظة وحزم، وصون أفق التعاون مع دمشق بما يخدم استقرار البلدين. فالتراجع أمام التهديدات ليس حكمة، كما أن تجاهل التداعيات السياسية والإنسانية للإجراءات الأمنية ليس ضمانة للاستقرار. وبينهما تتقدم الحكمة الاستراتيجية بوصفها قدرة على اتخاذ القرار الضروري، وتقدير كلفته، واحتواء نتائجه، ومنع تحوله إلى أزمة أوسع.

إن الأردن، بقيادته الهاشمية وجيشه العربي وأجهزته الأمنية، يدرك أن السيادة لا تُصان بالشعارات، وأن الردع لا يستمد فاعليته من القوة وحدها، بل من وضوح الغاية ودقة التقدير. فالدولة القادرة ليست التي ترد على التهديد فحسب، بل التي تمنع تحوله إلى واقع دائم، وتوظف أدواتها الأمنية والدبلوماسية في إطار رؤية تحمي الداخل وتدير العلاقة مع الخارج.

وفي المحصلة، يقف الأردن وسوريا أمام استحقاق يتجاوز تداعيات عملية عسكرية: تحويل الترابط الجغرافي والتهديدات المشتركة إلى إطار مستدام للتعاون، عبر قنوات اتصال موثوقة، وآليات تنسيق واضحة، واحترام متبادل للسيادة، ومعالجة مبكرة للخلافات. فالدول الراسخة لا تنكر تعقيدات الواقع، بل تديرها، ولا تسمح للاختلاف بأن يهدم المصالح المشتركة، بل تبحث عن صيغ سياسية تحميها وتطورها.

إن المعادلة الاستراتيجية الأردنية ليست قوةً في مواجهة الأخوّة، بل قوةً تحمي إمكانات الأخوّة من عبث الإرهاب والفوضى. فالسيادة ليست نقيضًا للتعاون، والردع ليس مرادفًا للتصعيد، والدبلوماسية ليست علامة تراجع؛ إنها أدوات متكاملة حين تقودها رؤية سياسية واعية. وفي إقليم تتنافس فيه الفوضى مع منطق الدولة، يظل الرهان الأردني واضحًا: أمنٌ وطني مصون، وسوريا مستقرة وموحدة، وحدود لا تتحول إلى ممرات للتهديد، وشراكة إقليمية تجعل احترام السيادة مصلحة مشتركة، والاستقرار مشروعًا قابلًا للاستمرار، لا هدنةً مؤقتة بين أزمتين.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :