الأمير علي في مواجهة الوصاية على كرة القدم
أ.د. زياد ارميلي
27-10-2026 06:24 PM
ليست القضية اليوم مجرد خلاف بين الأمير علي بن الحسين والاتحاد الآسيوي لكرة القدم، وليست مجرد تصريحات أثارت انزعاج بعض المسؤولين أو انتقادات طالت رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو ،إنها قضية تتعلق باستقلال القرار الرياضي، وحق الاتحادات الوطنية في التعبير عن مواقفها بحرية، ومستقبل مؤسسة عالمية يفترض أن تقوم على الشفافية والمساءلة، لا على النفوذ والحسابات الانتخابية.
حين يتحدث الأمير علي بن الحسين عن وقائع اجتماع الجمعية العمومية الاستثنائية للاتحاد الآسيوي في طوكيو، ويثير تساؤلات حول طبيعة النقاشات وحدود المشاركة في اتخاذ القرار، فإن ما يطرحه يستحق إجابات واضحة ونقاشا مؤسسيا جاداً. قد يختلف البعض مع توصيفه لما جرى، وقد تكون للاتحاد الآسيوي رواية مختلفة، لكن الاختلاف لا يعالج بإغلاق باب الأسئلة، ولا تصان هيبة المؤسسات بتجنب النقد، بل بالشفافية والقدرة على تقديم الحجج والأدلة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، فبدلاً من أن ينصب الاهتمام على تشخيص ما حدث في طوكيو، والتحقق من مدى إتاحة الفرصة للاتحادات الأعضاء للتعبير عن آرائها ومناقشة المواقف المطروحة، أعلن الاتحاد الآسيوي إحالة تصريحات الأمير علي إلى هيئاته القضائية. صحيح أن الإحالة ليست إدانة، وأن من حق المؤسسات التعامل مع الاتهامات الخطيرة وفق أنظمتها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تتقدم الإجراءات القضائية إلى واجهة المشهد قبل أن تتقدم الإجابات المؤسسية إلى الرأي العام؟ وهل يكفي رفض الاتهامات لإغلاق النقاش حول مضمونها؟
إن المؤسسة الواثقة لا تخشى النقد، ولا تعتبر الأسئلة تهديداً لمكانتها. وإذا كان الاتحاد الآسيوي يرى أن ما قاله الأمير علي غير صحيح، فالأجدر به أن يقدم للرأي العام رواية مفصلة وشفافة لما جرى، وأن يوضح آليات النقاش والتصويت، بدلاً من أن يتحول الخلاف حول الحوكمة إلى مواجهة إجرائية مع صاحب التصريحات. فاحترام اللوائح لا يعني استخدامها لإسكات الأصوات الناقدة، بل تطبيقها بعدالة وضمان حق الجميع في التعبير والدفاع.
ولا يمكن فهم هذه القضية بمعزل عن أزمة الحوكمة التي شهدها الاتحاد الدولي لكرة القدم في الأشهر الماضية. فقد أثار مشروع مرتبط بالحقوق التجارية لمسابقات الفيفا، تضمن مقترحاً لبيع حصة من كيان تجاري جديد لمستثمرين من القطاع الخاص، اعتراضات واسعة بسبب المخاوف المتعلقة بالشفافية، وآليات اتخاذ القرار، ومدى التشاور مع الاتحادات المعنية. كما عبرت مؤسسات كروية، من بينها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، عن اعتراضاتها على طريقة إدارة الملف، وطالبت بمراجعة مستقلة. وانتهى الأمر بالتخلي عن المشروع وسط انتقادات لطريقة طرحه وإدارته.
هذه الوقائع لا تعني أن كل اتهام وجه إلى إنفانتينو قد ثبت، لكنها تؤكد أن طريقة إدارة القرارات الكبرى في الفيفا أصبحت موضع مساءلة من مؤسسات كروية مؤثرة. وحين تعترض اتحادات قارية على غياب التشاور والشفافية في ملف تجاري بهذا الحجم، فإن من المشروع التساؤل عن مدى استقلال القرار الرياضي، وعن الضمانات التي تمنع تداخل المصالح المؤسسية والحسابات الانتخابية.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة حين ننظر إلى ما جرى في طوكيو، حيث أُعلن دعم رئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة ترشح إنفانتينو لولاية جديدة، في وقت كانت فيه تداعيات أزمة الحقوق التجارية لا تزال حاضرة. وليس من الإنصاف اعتبار هذا الدعم دليلاً بحد ذاته على وجود صفقة أو ضغط، فمثل هذه الاتهامات تحتاج إلى أدلة مستقلة. لكن من حق الاتحادات الوطنية أن تعرف كيف تشكل الموقف الآسيوي، وما طبيعة النقاش الذي سبقه، وهل عبّر عن إرادة الأعضاء أم عن موقف جرى تبنيه من دون نقاش كافٍ.
إن وحدة القارة الآسيوية لا تعني تطابق الأصوات، ولا ينبغي أن تتحول إلى غطاء يمنع الاختلاف. فالوحدة الحقيقية تبنى بالحوار والاقتناع، لا بمجرد إعلان موقف جماعي. ومن هنا، فإن التناقض الظاهر بين المطالبة بالشفافية في بعض الملفات، ثم إحالة صوت ناقد إلى الهيئات القضائية، يضع الاتحاد الآسيوي أمام اختبار حقيقي لمصداقية التزامه بالحوكمة والمساءلة.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز موقف الأمير علي بن الحسين بوصفه دفاعا عن حق الاتحادات الوطنية في أن يكون لها صوت مستقل، وعن ضرورة ألا تتحول كرة القدم إلى ساحة تدار فيها القرارات وفق إرادة أصحاب المناصب أو حساباتهم الانتخابية. إن مساندة الأمير علي لا تعني اعتباره فوق النقد أو إعفاء تصريحاته من التحقق، بل تعني الدفاع عن مبدأ أساسي وهو لا يجوز أن يصبح موقع المسؤول أو حجم المؤسسة التي ينتقدها سببا في تقييد حقه في التعبير عن مخاوفه بشأن مستقبل اللعبة.
لقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن الفيفا، مهما بلغت مكانته وحجم موارده، ليس فوق المساءلة، وأن القرارات التي تمس الحقوق التجارية ومستقبل البطولات العالمية يجب أن تخضع للتشاور والمراجعة والرقابة. كما أن برامج التطوير ليست منّة شخصية من رئيس، بل حقوق مؤسسية للاتحادات، والانتخابات ليست مناسبة لفرض الإجماع، بل استحقاق ينبغي أن يحفظ استقلال إرادة الأعضاء.
إن المطلوب اليوم ليس سجالا إعلامياً جديداً، ولا إدانة مسبقة لأي طرف، بل إجابات واضحة: ماذا جرى في اجتماع طوكيو؟ ما الفرص التي أتيحت للأعضاء للنقاش؟ كيف تشكّل الموقف الانتخابي؟ وما الأساس النظامي لإحالة تصريحات الأمير علي؟ وهل ستضمن إجراءات عادلة وشفافة تحفظ حقه في الدفاع وتمنع أي انتقائية في تطبيق اللوائح؟ كما أن أزمة الحقوق التجارية في الفيفا تستحق توضيحاً مؤسسياً يجيب عن التساؤلات التي أثارتها الاتحادات المعنية.
إن هيبة الاتحاد الآسيوي لا تصان بإحالة الأصوات الناقدة إلى اللجان، بل بإثبات أن أبوابه مفتوحة للنقاش، وأن قراراته قابلة للتفسير والمساءلة. وهيبة الفيفا لا تصان بتجميع التأييد حول رئيسها، بل باستعادة الثقة في نزاهة القرار واستقلال المؤسسة. أما الأمير علي، فإن قيمة موقفه تكمن في إصراره على طرح الأسئلة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في كل مؤسسة رياضية تحترم أعضاءها وجماهيرها.
ستبقى المناصب عابرة، وستتغير القيادات، لكن ما سيبقى في ذاكرة كرة القدم هو مدى وفاء مؤسساتها للمبادئ التي قامت عليها. فحين يصبح السؤال عبئاً على المؤسسة، تكون المؤسسة نفسها أمام السؤال الأصعب: هل تدير اللعبة لمصلحة كرة القدم، أم تجعل كرة القدم خاضعة لمصالح من يديرونها؟