تراتيل الظمأ والسياده : كلمات في ظلال البوح الملكي
صالح الرواشدة
03-11-2026 05:20 PM
على قارعة الجلد والصبر والاناة والمصابرة ، حيث تلتقي زرقة السماء بظمأ الارض وعطشها الى سحابة تروي غليلها وتجبر شقوق موجعها ، وتعطشها الى قبلة السماء الشافية لجرح جفافها ... ، تقف الارض الاردنيه بكبريائها شامخة تشيح بوجهها نحو الأفق ، وتخبئ في تجاعيد ثراها الثمين الغالي ( مهد الاجداد وملاذ الابناء والاحفاد من الاجيال القادمة ) ، وجعا وانينا صامتين ، ..... و هنا حيث التراب يعشق الانفة والكبرياء ، وحيث يمر الصيف ضيفا ثقيلا كأنه دهر تولد غصة في حلق الغيم ، انها رواية الظمأ الذي يلف المآقي ووجع حبات المطر وقطرات الماء التي باتت توزن بميزان الوجود والسياده.
وتحت لهيب الشمس ، وجبروت الرمال ، وبحر من التيه لا يرى ظمأ ، ولا يرحم غافلا ، تمتد الصحراء الاردنيه (رمضاء هذا الوطن وهجيره ) ، متوسدة عباءة الصمود والتحدي ، ويهمس الشيح متعبا ، والقيصوم والبطم والعوسج والسدر ، حزنا وتوجدا ، لغيمات شحيحة عبرت ولم تبك دموعها بين طيات وعبرات وزفرات هذا الجفاف الاقليمي ، والظروف المحيطه التي تكاد تخنق الانفاس ،..... ، وتئن جذوع الطلح تحت وطأة القيظ ، وتخفي يأسها في عروقها المتشققة كأخاديد البادية ...، واشجار السمر تبسط اغصانها كأكف الضراعة ، تبتهل متوسلة لغيمة شاردة في سماء وادي رم بأن تجود بدمعها .... ، وبين عينين تترقبان افق السماء العقيم وكفين تتشبثان بتراب اضناه الظمأ ، يقف الاردني حارسا لرمق الارض الاخير يرقب سحابة ضلت طريقها ، ويحمل في صدره وجل بلاد كامله يهدد الجفاف شريان حياتها ، ...... وفي المدى الممتد بين قسوه شح المياه وعشق الارض يلوذ المزارع الاردني في غور الاردن وجلعد وسهول حوران ..... ، بالصبر حبسا للانفاس ، وبقلب يرتجف مع كل غيمة عابرة ، ويرتل دعاء المطر ، خوفا من غد يجف فيه ضرع الحقول وينكسر فيه كبرياء السنابل .
وهنا وهناك ، يتسلل القلق و الترقب الوطني بان نرى قطرة الماء التي تحيي اطفالنا تقايض بقراراتنا او تقع تحت رحمة التقلبات والرهانات ، انه ليس مجرد عطش عابر في صيف لاهب قائظ قاحل ، بل هو وجع وطني يسكن البيوت ويمتد من غور الاردن الصابر المرابط النابض بالحياة الى اطراف البادية السمراء .
وفي ذروة اجواء هذا القلق و الترقب الوطني ، حيث كاد القنوط يلامس اطراف الحناجر والقلوب ، جاءت الكلمات المدوية من فوق منبر العرش السامي وفي ردهات النور والسياده ، لتلخص وجع التراب الظامىء وتلقي في روح الظمأ يقينا جديدا ، كررها جلاله الملك كانها نبضات قلب الوطن المتعب ( المياه ، المياه ، المياه ) ، هي صرخة ملكية حاسمة قطعت دابر الشك باليقين ، واعلنت للعالم اجمع ان امننا المائي ركيزة سيادتنا ، وخط احمر لا يقبل القسمة على اثنين ، حيث جاء الصوت الملكي المهيب واضحا قاطعا يبل صدى القلوب المترعة بالوجع والهموم ، وجاء الوعد الملكي حاسما حازما كحد السيف لينتشل من القلوب وجعها ومعاناتها ويلامس همومها وتطلعاتها [ امننا المائي اولوية وطنية ، ولن نسمح بان يكون ظمأ الاردنيين رهينة لاي ظرف ، فلا مجال للمساومة او المهادنة فيه ] .
لقد سرت الكلمات الملكيه في عروق وشرايين الوطن على امتداده كانها وابل صيب ، حيث آن للغصة وغيوم الانين والوجع والمعاناه والهموم ان تتلاشى ، ويتحول الوجع والهم الوطني الى ورشة عمل وطنية شاملة كبرى ... ، ها هو الناقل الوطني يرتسم في الأفق ليس كمجرد انابيب تعبر الجغرافيا ، بل كشريان حياة يربط ثغر الاردن الباسم بعمان الصامده ، حيث لم يعد امننا المائي مجرد ملف خدمي تديره المعاملات والعقلية البيروقراطية ، بل غدا قضية وجود وامن وطني ، واستقلال قرار ، وكرامة ارض تأبى ان تجف ، وصناعة مستقبل نرويه بعرق الجباه ( التي لا تنحني الا لله عز وجل ) ، وسواعد العمل و البناء والانجاز الحقيقي على ارض الواقع ، ولن يساوم الوطن على قطرة من دمائه ومائه ، ولن تترك الاجيال القادمه لتقلبات الظروف او اطماع الجوار .
لقد اشرقت الشمس اليوم فوق العاصمه عمان وشقيقاتها من المحافظات الاردنيه على امتداد هذا الوطن الصامد ، وما يزال صدى خطاب العرش السامي يتردد في الوطن ( اوديته ، شعابه ، جباله ، هضابه ، رمضائه وبيدائه ، مدنه ، اريافه ، قراه ... ) ، يوقظ فينا العزم بان لا مساومة على قطرة ماء ، وان السيادة الاردنية تماما ككرامة ابناء هذا الوطن الشامخ ستبقى عصية على الانكسار والارتهان .