لو عاد ابن خلدون إلى الحياة اليوم، وجلس أمام شاشة يتابع نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية، فربما لم يكن ليتوقف طويلًا عند أسماء الفائزين والخاسرين، بل لطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل بدأت العصبية التي صنعت صعود الترامبية تفقد قدرتها على المحافظة على السلطة؟
قبل أكثر من ستة قرون، وضع ابن خلدون في مقدمته الشهيرة تفسيرًا عميقًا لنشوء الدول وصعودها وتراجعها. فقد رأى أن الدول لا تولد قوية إلى الأبد، وإنما تمر بتحولات تاريخية تبدأ بتماسك الجماعة وقوة العصبية، ثم الاستيلاء على السلطة وترسيخ الحكم، قبل أن تظهر عوامل الضعف والتراجع. ولم يكن يتحدث عن تبدل الحكام فحسب، بل عن التحولات التي تصيب المجتمعات حين تتغير العلاقة بين السلطة والقوة التي أوصلتها إليها.
واليوم، تبدو هذه النظرية مدخلًا مثيرًا لقراءة ظاهرة سياسية معاصرة هي «الترامبية»، التي تجاوزت شخصية دونالد ترامب لتصبح تيارًا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا أعاد تشكيل الحزب الجمهوري، وأحدث تحولات عميقة في الحياة السياسية الأمريكية.
لقد صعدت الترامبية على ما يمكن وصفه، بالمعنى الخلدوني المجازي، بـ«العصبية السياسية»؛ تلك الرابطة التي جمعت قطاعات من الأمريكيين حول شعور مشترك بأن النخب التقليدية لم تعد تمثلهم، وأن المؤسسات السياسية ابتعدت عن همومهم الاقتصادية والاجتماعية، وأن الولايات المتحدة بحاجة إلى استعادة قوتها ومكانتها.
وكان شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» أكثر من مجرد شعار انتخابي؛ فقد تحول إلى هوية سياسية جامعة، منحت أنصار ترامب شعورًا بالانتماء إلى حركة تسعى لتغيير قواعد اللعبة السياسية.
وهنا تتجلى المفارقة الخلدونية: فالعصبية التي تمنح الحركة السياسية قوتها في مرحلة الصعود، قد لا تكون وحدها كافية لضمان استمرارها في الحكم.
ففي انتخابات الثالث من نوفمبر 2026، تعرض الحزب الجمهوري لخسائر واسعة، وانتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب تحقيق مكاسب في عدد من الولايات. وقد كشفت النتائج عن تحول في مواقف قطاعات من الناخبين، وسط تصاعد القلق بشأن تكاليف المعيشة والسياسات الحكومية والحرب مع إيران.
لكن قراءة هذه النتائج بمنظار ابن خلدون تتجاوز السؤال التقليدي: لماذا خسر الجمهوريون؟ إلى سؤال أكثر أهمية: هل تواجه الترامبية أزمة انتقال من منطق التعبئة السياسية إلى منطق إدارة الدولة؟
فالحركات السياسية تستطيع أن تكسب التأييد عبر الشعارات الكبرى، واستثارة المشاعر، وتقديم وعود التغيير، لكنها حين تصل إلى السلطة تصبح مطالبة بتحويل تلك الوعود إلى نتائج ملموسة في حياة الناس. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي، حين ينتقل المواطن من الحماس للفكرة إلى محاسبة التجربة.
لقد فهم ابن خلدون أن القوة لا تستمر بالعصبية وحدها، وأن الحكم يحتاج إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار، وإلى توازن بين السلطة والمصلحة العامة. وفي الأنظمة الديمقراطية الحديثة، يضاف إلى ذلك عامل حاسم هو قدرة الناخب على إعادة توزيع السلطة عبر صناديق الاقتراع.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الخسارة الجمهورية باعتبارها اختبارًا لحدود الترامبية، وليس بالضرورة إعلانًا عن نهايتها. فالحركات السياسية لا تختفي بمجرد خسارة الانتخابات، وقد تعود أكثر قوة إذا استطاعت مراجعة أفكارها وتجديد خطابها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: تراجع الحزب الجمهوري انتخابيًا، وتراجع نفوذ ترامب داخل الحزب، وتراجع الترامبية بوصفها ظاهرة اجتماعية وسياسية. فهذه مسارات مترابطة، لكنها ليست متطابقة بالضرورة.
ولعل الدرس الأعمق في النظرية الخلدونية هو أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا بانهيار ظاهر، بل قد تبدأ حين تتسع المسافة بين القوة التي صنعت الصعود والقدرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة الجديدة.
غير أن الولايات المتحدة ليست دولة من دول العصر الخلدوني، ولا يمكن إسقاط دورة نشوء الدول واندثارها عليها بصورة حرفية. فالمؤسسات الدستورية، والتداول الانتخابي للسلطة، وتعدد مراكز القوة، تمنح النظام السياسي الأمريكي قدرة على امتصاص الأزمات وإعادة التوازن، حتى عندما تتعرض الأحزاب الحاكمة لهزائم كبيرة.
ولذلك، فإن خسارة الجمهوريين لا تعني أفول الحضارة الأمريكية، كما أن تراجع الترامبية المحتمل لا يعني انتهاء الأفكار التي أنتجتها. بل قد تكون الانتخابات تعبيرًا عن قدرة الديمقراطية الأمريكية على تصحيح مساراتها، أو بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التيارات السياسية داخل المجتمع.
إن السؤال الذي يطرحه ابن خلدون علينا اليوم ليس ما إذا كان ترامب قد خسر معركة انتخابية، بل ما إذا كانت الترامبية قادرة على تجديد العصبية التي صنعت صعودها، وتحويلها إلى مشروع سياسي أكثر قدرة على الاستمرار.
فالتاريخ لا يتحرك فقط بقوة الذين يصعدون إلى السلطة، وإنما أيضًا بقدرتهم على فهم اللحظة التي تتغير فيها شروط البقاء فيها.
وربما لو كان ابن خلدون بيننا اليوم، لقال إن ما نشهده ليس بالضرورة نهاية الترامبية، وإنما امتحانها الخلدوني الأول بعد العودة إلى الحكم؛ امتحان يكشف ما إذا كانت عصبية الصعود قادرة على أن تتحول إلى شرعية إنجاز، أم أنها ستظل أسيرة اللحظة التي صنعتها.
فالحركات السياسية، مثل الدول في منطق ابن خلدون، لا يكفي أن تعرف كيف تصعد؛ بل عليها أن تعرف كيف تتجدد حتى لا يبدأ تراجعها من داخل أسباب قوتها.