من كيب تاون إلى العالم… صرخة في وجه الصمت، ورسالة إلى ضمير الإنسانية
صالح الشرّاب العبادي
05-11-2026 09:41 AM
ليست كل الكلمات التي تُلقى أمام العالم تُحدث أثراً، وليست كل الخطب التي تعبر المنابر تصل إلى ضمائر البشر. لكن هناك كلمات تأتي في لحظة تاريخية فارقة، فتتجاوز حدود المكان، وتتخطى لغة السياسة والدبلوماسية، لتصبح موقفاً أخلاقياً وإنسانياً يصعب تجاهله. وهذا ما فعلته جلالة الملكة رانيا العبدالله في كيب تاون بجنوب إفريقيا.
من أرضٍ عرفت معنى النضال، ودفعت أثماناً باهظة في سبيل الحرية والكرامة الإنسانية، ومن بلاد نيلسون مانديلا الذي جعل من حرية الإنسان قضية لا تتجزأ، انطلقت كلمة جلالة الملكة رانيا إلى العالم، لا بوصفها خطاباً بروتوكولياً في محفل دولي، بل بوصفها صرخة مدوية في وجه الصمت، ومرافعة إنسانية وأخلاقية عن شعبٍ أنهكته الحرب، وحاصرته المآسي، وما زال يتمسك بحقه في الحياة والحرية والكرامة.
لقد كان اختيار جنوب إفريقيا منطلقاً لهذه الرسالة اختياراً بالغ الدلالة. فهنا، حيث سقط نظام الفصل العنصري أمام إرادة شعب لم يستسلم، وحيث تحولت معاناة الأمس إلى ذاكرة عالمية للنضال والحرية، أعادت جلالتها طرح السؤال الذي يجب أن يواجه العالم كله:
كيف نحتفي بانتصار الحرية في مكان، ثم نقبل حرمان شعب آخر منها في مكان آخر؟ وكيف نعتبر التمييز العنصري جريمة في التاريخ، ثم نصمت أمام مشاهد الظلم والتهجير والقتل والتجويع التي يعيشها الفلسطينيون؟
لم تكن جلالتها تبحث عن عبارات لاستدرار العاطفة، ولم تكتفِ بإدانة ما يجري في غزة وفلسطين، بل وضعت العالم أمام مرآة ضميره، وواجهت ازدواجية المعايير بلغة واضحة وشجاعة، مؤكدة أن الحياد أمام الظلم ليس فضيلة، وأن الصمت حين تكون الحقيقة واضحة ليس موقفاً محايداً، بل تهرّب من المسؤولية.
ومن أكثر ما استوقفني في هذه الكلمة ذلك التعبير العربي العميق: ( القهر ) . كلمة تختصر ألماً لا تصفه اللغات بسهولة؛ أن يتعرض الإنسان للظلم، ثم يُنكر الآخرون ظلمه، وأن يشاهد العالم معاناته، ثم يناقش حقه في أن يتألم أو يغضب أو يطالب بالعدالة. إنه قهر الإنسان حين لا يجد من يسمع صوته، ولا من ينصف قضيته.
وكانت جلالتها موفقة حين خاطبت الشباب والعالم بلغة العقل والإنسانية، مؤكدة أن الغضب من الظلم ليس ضعفاً، وأن من ينكر جغرافية غزة وموقعها يعي ويعلم إحداثيات مستشفياتها ومدارسها وتراثها وجوامعها وكنائسها بالضبط ليتم قصفها وهدمها وتدميرها ..، وأن معرفة ديانة الطفل أو هويته ليست شرطاً للدفاع عن حقه في الحياة. فالقيم الإنسانية لا تحتاج إلى جواز سفر، والحق لا يتغير بتغير هوية الضحية.
إن جوهر هذه الرسالة يتجاوز غزة وحدها، وإن كانت غزة جرحها المفتوح. إنها رسالة إلى كل حكومة، وكل مؤسسة دولية، وكل إنسان يمتلك ضميراً حياً، بأن القانون الدولي لا يجوز أن يكون انتقائياً، وأن حقوق الإنسان لا يمكن أن تكون امتيازاً تمنحه السياسة لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء.
لقد ذكّرتنا جلالة الملكة بتجربة جنوب إفريقيا، وبنضال شعبها، وبموقف نيلسون مانديلا الذي أدرك مبكراً أن حرية جنوب إفريقيا لا تكتمل ما لم ينل الشعب الفلسطيني حريته. وكأن التاريخ يعيد طرح السؤال ذاته، لكن أمام جيل جديد وعالم أكثر اتصالاً بالمعلومات، وأكثر انكشافاً أمام الحقائق، وأشد مطالبة بمواجهة التناقض بين الشعارات والمواقف.
ولعل الرسالة الأهم في هذه الكلمة أن التاريخ لا يسجل فقط أسماء الذين صنعوا الظلم، بل يسجل أيضاً أسماء الذين شاهدوه، وامتلكوا القدرة على مواجهته، ثم اختاروا الصمت. فالأمم لا تُقاس بقوة اقتصادها أو جيوشها وحدها، وإنما تُقاس أيضاً بمواقفها عندما تُختبر إنسانيتها.
ومن هنا، فإن ما قالته جلالة الملكة في كيب تاون يستحق أن يُقرأ بعمق، وأن يُسمع خارج قاعات المؤتمرات، وأن يصل إلى الجامعات والبرلمانات والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام، وإلى كل بيت يؤمن بأن الإنسان قيمة لا يجوز التفريط بها.
لقد تكلمت جلالة الملكة من أرض النضال والحرية، لكنها خاطبت العالم بأسره. حملت وجع فلسطين، ووضعت أمام الإنسانية مسؤوليتها، وأعادت التذكير بأن الحرية ليست قضية شعب واحد، وأن العدالة لا تتجزأ، وأن كرامة الإنسان الفلسطيني ليست أقل قيمة من كرامة أي إنسان على هذه الأرض.
من كيب تاون إلى غزة، ومن جنوب إفريقيا إلى فلسطين، ومن ذاكرة النضال إلى ضمير العالم… تبقى الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب: لا حرية حقيقية في عالم يقبل أن يُحرم شعب من حريته، ولا إنسانية مكتملة أمام ظلمٍ نراه ثم نختار الصمت.
…. ليست المشكلة أن العالم لا يرى ما يحدث في غزة، بل أن العالم يرى، ويعرف، ويسمع… ثم لا يفعل ما تقتضيه إنسانيته….
شكراً لجلالة الملكة رانيا العبدالله على هذه الكلمة التي لم تكن مجرد خطاب، بل موقفاً يليق بالأردن، وبقِيَمِه، وبمواقفه الثابتة تجاه فلسطين، وبكل إنسان ما زال يؤمن أن للحق صوتاً، وأن للضمير موقفاً، وأن للحرية يوماً لا بد أن يأتي.