من يحمي الموظف من ضغوط العمل؟ الصمت التنظيمي أزمة لا يراها أحد
د. جاسر عبد الرزاق النسور
04-11-2026 10:05 AM
لم تعد ضغوط العمل مسألة إدارية تتعلق بزيادة المهام أو طول ساعات الدوام فحسب، بل أصبحت قضية إنسانية ومؤسسية تستحق وقفة جادة. فالموظف الذي يقضي سنوات عمره في خدمة مؤسسته، ويقدم خبرته وجهده ووقته، من حقه أن يعمل في بيئة تحفظ كرامته وتوفر له الاستقرار النفسي والوظيفي.
وهنا يبرز تساؤل جوهري: من يحمي الموظف عندما تتحول بيئة العمل إلى مصدر للضغط النفسي والاجتماعي؟ ومن يستمع إليه عندما يجد نفسه في مواجهة مشكلة مع مسؤول أو مدير مباشر، دون أن يجد جهة محايدة تفهم أبعاد قضيته وتتعامل معها بمهنية وإنصاف؟
في القطاع الخاص، يتوجه العامل عادة إلى وزارة العمل عندما يتعرض لمشكلة مع صاحب العمل أو الإدارة. وهذا حق تكفله التشريعات، غير أن معالجة النزاع قانونيا لا تعني بالضرورة فهم أسبابه النفسية والاجتماعية. فقد تكون المشكلة أعمق من خلاف على راتب أو إجازة أو إجراء إداري، وقد يكون الموظف قد تعرض لضغوط متراكمة أو معاملة غير منصفة أثرت في استقراره النفسي والأسري. ولا أقصد هنا التقليل من دور وزارة العمل أو جهود العاملين فيها، وإنما أتساءل عن مدى توافر الاختصاصات النفسية والاجتماعية إلى جانب الاختصاص القانوني والإداري. فليس كل نزاع عمالي يمكن حله بالإجراءات وحدها، وليس كل موظف قادرا على التعبير عن مشكلته بالطريقة التي تتيح للمسؤول فهم حقيقة ما يمر به.
أما في القطاع العام، فإن الموظف يجد نفسه غالبا أمام تسلسل إداري يبدأ بالمدير المباشر وينتهي بالرئيس الأعلى. ولكن ماذا لو كان المدير المباشر نفسه طرفا في المشكلة؟ وماذا لو لم يمتلك الرئيس الأعلى الأدوات اللازمة لمعالجة الأبعاد النفسية والاجتماعية للخلاف؟ عندها يصبح الموظف محاصرا بين الخوف من الشكوى، والقلق من نتائجها، وعدم وجود جهة مستقلة يستند إليها.
من هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة دور وزارة العمل وهيئة الخدمة والإدارة العامة، كل ضمن اختصاصه، والعمل على تطوير منظومة متكاملة للإرشاد والدعم الوظيفي، لا تقتصر على استقبال الشكاوى بعد وقوعها، بل تعمل على اكتشاف المشكلات في مراحلها المبكرة.
إنني أرى ضرورة إنشاء وحدة متخصصة في كل وزارة ومؤسسة عامة وخاصة، تضم مختصين في الموارد البشرية والإرشاد النفسي والاجتماعي والعلاقات العمالية، تتولى الاستماع إلى الموظفين، وفهم طبيعة المشكلات التي يواجهونها، والتدخل المبكر لمعالجة الخلافات، وتوفير قنوات آمنة وسرية تضمن عدم تعرض الموظف لأي شكل من أشكال الانتقام الإداري بسبب تقديم شكواه. ولا بد أن تتمتع هذه الوحدات بالاستقلالية والحياد، خصوصا عندما يكون المدير المباشر طرفا في النزاع، وأن تخضع لرقابة تضمن الشفافية، مع وجود آلية واضحة لإحالة الحالات التي تحتاج إلى تدخل نفسي أو طبي متخصص.
إن الأخطر من وجود المشكلة هو انتظار تفاقمها قبل التحرك لمعالجتها. فكم من موظف ظل يتحمل الضغوط الإدارية والنفسية بصمت، حتى وصل إلى مرحلة الأرق والقلق والإنهاك النفسي، وأصبح بحاجة إلى مراجعة الأطباء أو تناول المهدئات والمنومات للتعامل مع ما يعانيه؟ إن آثار هذه الضغوط لا تتوقف عند الموظف، بل تمتد إلى أسرته وأبنائه، وتنعكس على علاقاته الزوجية والاجتماعية ومعيشته اليومية. وقد يفقد الإنسان قدرته على الفصل بين مشكلاته في العمل وحياته داخل المنزل، فيتحول الضغط الوظيفي إلى أزمة أسرية واجتماعية. ولذلك لا يجوز أن ننتظر حتى يمرض الموظف أو تتدهور حياته الأسرية، ثم نبدأ بالبحث عن الحلول. المطلوب متابعة مهنية حقيقية لبيئة العمل، ووجود جهة تستمع إلى الموظف وتقدم له المساعدة قبل أن يصل إلى هذه المرحلة. فالوقاية من الإنهاك النفسي مسؤولية مؤسسية، وليست مسؤولية الموظف وحده.
وهنا نصل إلى ظاهرة لا تقل خطورة، وهي ما يعرف بالصمت التنظيمي. والمقصود بها أن يتجنب الموظف التعبير عن رأيه أو الإبلاغ عن الأخطاء أو تقديم شكوى، ليس لأنه لا يملك ما يقوله، وإنما لأنه يخشى العواقب، أو يعتقد أن صوته لن يجد من يسمعه، أو أن اعتراضه قد يؤثر في مستقبله الوظيفي. ومع مرور الوقت، يتحول هذا السلوك إلى ثقافة داخل المؤسسة، فيتوقف الموظفون عن تقديم المقترحات، ويتجنبون مناقشة الأخطاء، ويكتفون بتنفيذ التعليمات حتى وإن أدركوا وجود خلل في بعض القرارات أو الممارسات الإدارية.
والأخطر أن الإدارة قد تفسر هذا الصمت على أنه رضا عن بيئة العمل، بينما الحقيقة قد تكون مختلفة تماما. فالموظف الذي لا يتحدث ليس بالضرورة موظفا راضيا، وقد يكون فقد الثقة بوجود جهة تنصفه أو تستمع إليه. إن المؤسسات التي لا تتيح المجال للنقد والمصارحة تخسر فرصة تصحيح أخطائها، وتدفع موظفيها تدريجيا إلى الانسحاب النفسي، حتى وإن ظلوا على رأس عملهم. ولهذا فإن كسر الصمت التنظيمي يبدأ ببناء الثقة، وتوفير الحماية، وإيجاد قنوات حقيقية للحوار والمساءلة.
ومن المهم ألا ينحصر الاهتمام بالموظف وحده، فالمسؤول نفسه يحتاج إلى التأهيل والتدريب في كيفية التعامل مع العاملين وإدارة الخلافات والضغوط. فالإدارة ليست إصدار التعليمات ومراقبة الأداء فقط، بل هي مسؤولية إنسانية تتطلب الحكمة والقدرة على الاستماع والاحتواء والتمييز بين الخطأ الإداري والمشكلة الإنسانية. وقد يكون بعض الخلاف ناتجا عن ضعف مهارات الاتصال، أو سوء توزيع المهام، أو غياب العدالة في التعامل، أو عدم قدرة المسؤول على إدارة فريقه. ولذلك ينبغي أن تشمل برامج التأهيل القيادات الإدارية، وأن يكون هناك تقييم حقيقي لأساليب التعامل مع الموظفين، وليس الاكتفاء بقياس الإنجاز والأرقام. إننا بحاجة إلى الانتقال من ثقافة إدارة الشكاوى إلى ثقافة منع أسبابها، ومن التعامل مع الموظف باعتباره رقما في الهيكل التنظيمي إلى النظر إليه باعتباره إنسانا له حقوق وظروف أسرية واجتماعية ونفسية.
لا يمكن الحديث عن الاستدامة المؤسسية وتحسين الإنتاجية والتطوير الإداري، بينما نغفل الإنسان الذي يقوم بكل ذلك. فالمؤسسة التي تحافظ على موظفيها، وتحترم كرامتهم، وتستمع إلى مشكلاتهم، هي الأقدر على الاستمرار وتحقيق الإنجاز. إن السؤال الذي يجب أن تطرحه إداراتنا اليوم ليس فقط: كيف نرفع إنتاجية الموظف؟ بل كيف نحميه من الضغوط التي قد تؤثر في صحته واستقراره الأسري؟
وكيف نضمن أن يجد من يسمعه عندما يحتاج إلى المساعدة؟ فالموظف ليس آلة إنتاج، والمسؤولية الإدارية لا تنتهي عند توقيع القرار أو تطبيق التعليمات. هناك إنسان خلف كل وظيفة، وأسرة تتأثر باستقراره، ومؤسسة تتأثر بعطائه. إن حماية الموظف نفسيا واجتماعيا ومهنيا ليست ترفا إداريا، بل استثمار في الإنسان، وضمان لاستمرار المؤسسات وقدرتها على الإنجاز.
حمى الله الأردن، وأدام على وطننا أمنه واستقراره، وحفظ قيادته الهاشمية، ليبقى الأردن كما عهدناه ثابتا على مواقفه، عزيزا بأهله، شامخا بتاريخه، وماضيا بثقة نحو المستقبل.
* دكتور الإدارة الاستراتيجية وادارة الأزمات