إسرائيل تخسر أمريكا من الداخل، هل يقترب زمن التحالف المشروط؟
سمير حمدان - بودابست
05-11-2026 05:17 PM
ترامب ونتنياهو يخسران الأغلبية، والناخب الأمريكي يبدأ بمحاسبة الحليف
لم تعد أخطر خسارة تواجه إسرائيل في واشنطن قرارًا بوقف السلاح، بل احتمال أن يتوقف الأمريكي عن اعتبار حروبها جزءًا من أمنه، فدولة اعتادت حماية عابرة للحزبين تواجه سؤالًا لم يكن مطروحًا بهذه الحدة، لماذا ندفع من ضرائبنا ثمن تحالف قد يجرنا إلى حرب لا نختار نهايتها ؟
في نوفمبر خسر ترامب سيطرة الجمهوريين على مجلسي الكونغرس، وفي أكتوبر خرج معسكر نتنياهو من الانتخابات الإسرائيلية ب٥٣ مقعدًا، مقابل ٤٨ لمعسكر آيزنكوت و١٩ للأحزاب العربية، لم يفقد الرجلان منصبيهما، لكن ذلك ضيّق هامش حكمهما، وكشف أن التعبئة الأمنية لا تحصّن السلطة من محاسبة الناخب، كما أن مقاعد العرب تمنحهم وزنًا تفاوضيًا غير مسبوق، مع استمرار الخلاف حول مشاركتهم .
الأرقام أشد إزعاجًا من النتائج الانتخابية، ففي مارس وجد مركز بيو أن ٦٠٪ من الأمريكيين ينظرون سلبًا إلى إسرائيل، وأن ٥٩٪ يفتقرون إلى الثقة بنتنياهو، وأظهر غالوب تعاطف ٤١٪ مع الفلسطينيين مقابل ٣٦٪ مع الإسرائيليين، وهو فارق غير حاسم إحصائيًا، لكنه ينهي تقدمًا تاريخيًا، ولا تعني هذه المؤشرات رفض وجود إسرائيل، بل اتساع المسافة بين ضمان أمنها وتأييد سياسات حكومتها، ولا تكفي الشعارات التقليدية لإخفائها .
لم تبدأ التحولات مع غزة وحدها، لكن مشاهد القتل والتشريد والدمار دفعت أسئلة الاحتلال والعدالة إلى قلب النقاش الأمريكي، والأخطر لإسرائيل أن بيو رصد أغلبية سلبية تجاهها بين من هم دون الخمسين داخل الحزبين، فهذه ليست خسارة حملة علاقات عامة يمكن إصلاحها بإعلان جديد، بل تغير محتمل في الجيل الذي سيقرر مستقبل المساعدات، حتى بعد تغير الحكومات .
هنا تظهر حدود المال السياسي، فقد وثق تقرير إنفاق شبكة مرتبطة بإيباك ٨٤٫١ مليون دولار في سباقات حُسمت، منها ٥٥٫٣ مليونًا في معارك لم تحقق النتائج التي أرادتها، وهذا لا يثبت شراء نواب أو انهيار اللوبي، وإنما يضعف الاعتقاد بأن الإنفاق يضمن الأصوات، وحتى رونالد لاودر، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي والمدافع عن إسرائيل، حذر من تراجع دعم الحزبين ويهود الشتات، وأعلن أنه لا يعتزم العودة إليها، دون أن يتخلى عن تأييده لوجودها .
أما الكلفة فمحددة، اتفاق المساعدات العسكرية يتضمن ٣٨ مليار دولار بين ٢٠١٩ و٢٠٢٨، رهينة موافقة الكونغرس، فضلًا عن اعتمادات إضافية، ويعود بعض الإنفاق إلى الصناعات الأمريكية، لكنه يبقى مالًا عامًا قابلًا للمساءلة، أمام أسر تكافح الإيجارات والعلاج، ولا تكمن المشكلة في أن كل دولار لإسرائيل ينتزع مباشرة من مدرسة أمريكية، بل في ترتيب الأولويات السياسية، ومدى استعداد الحكومات لشرح ما تجنيه أمريكا من هذه الالتزامات في مقابل ما تتحمله من مخاطر .
وحرب إيران عمقت المعضلة، فقد ضغط نتنياهو من أجل ضربات، وفق تقارير صحفية، لكن قرار الحرب الأمريكية ليس بيده، واضطراب هرمز والنفط والتأمين يزيد أعباء المعيشة، دون أن يفسر وحده التضخم، فالسؤال لم يعد من يربح المعركة، بل من يستطيع إنهاءها عندما تختلف حاجات واشنطن الأمنية عن حسابات تل أبيب، ويتضح هذا الاختلاف إذا اعتبرت واشنطن فتح الملاحة وتقييد البرنامج النووي مكسبًا كافيًا بينما أصرت إسرائيل على إضعاف إيران .
تتفرع العلاقة إلى ثلاثة مسارات، بقاء التحالف العسكري مع خلاف سياسي متصاعد إذا استمرت التهديدات، أو دعم مشروط إذا ترجم الكونغرس اعتراض الناخبين إلى قيود تمويل ورقابة على السلاح، أو مواجهة دبلوماسية إذا قبلت واشنطن تسوية إيرانية ترفضها إسرائيل، وقد يعكس هجوم إقليمي كبير الاتجاه ويعيد تعبئة الأمريكيين وراء الحليف، فلا تكفي استطلاعات الرأي وحدها لتوقع القطيعة .
فالمعضلة ليست تراجع التعاطف وحده، بل انتقال الاعتراض من الشارع إلى لجان الموازنة والرقابة والتشريع، في ٢٠٢٧ سيكون الاختبار سلطة الكونغرس على الاعتمادات، وبعد ٢٠٢٨ شروط اتفاق المساعدات المقبل، والخلاصة أن إسرائيل قد تحتفظ بالسلاح الأمريكي زمنًا طويلًا، لكنها تفقد امتيازًا أخطر، افتراض أن من حقها تحديد متى يصبح أمنها حربًا أمريكية، مستقبل التحالف لن يُحسم بانتهاء صداقتين سياسيتين، بل بقدرة كل طرف على إثبات أن مصالحه لا تُفرض على الآخر بلا حساب .