facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عقل حكومي موحّد: كيف نقيّم نجاح القرارات بعيداً عن «ترقيع» الأزمات؟


أ.د. زيد الحمدان
08-11-2026 03:14 PM

قد تنجح جهة حكومية في تخفيض نفقاتها، بينما تتحمل الأسر كلفة أكبر للحصول على الخدمة نفسها. وقد يُزال ازدحام من شارع، ثم يظهر في شارع مجاور. في الحالتين، يمكن أن تسجّل الجهة المعنية تحسنًا في مؤشرات أدائها، مع أن المشكلة لم تُحل، وإنما انتقلت إلى مكان آخر أو إلى أشخاص آخرين. من هنا، ينبغي أن يُقاس نجاح القرار الحكومي بمحصلة آثاره في المجتمع، وبقدرته على معالجة أسباب المشكلة ومنع تجددها.

نحتاج في إدارة الشأن العام إلى عقل حكومي موحّد، تتكامل فيه المعلومات وتلتقي المؤسسات على غاية واضحة، ويُتاح داخله التفكير في اتجاهات متعددة. فالمواطن يعيش نتائج قرارات الوزارات مجتمعة؛ يدفع تكاليف النقل والعلاج والتعليم من دخل واحد، ويتحمل ضغوطها داخل أسرة واحدة. أما تقسيم المسؤوليات بين المؤسسات، فعلى ضرورته، فلا يعفي الحكومة من مسؤولية النظر إلى هذه النتائج بوصفها تجربة واحدة يعيشها الإنسان.

ووحدة العقل الحكومي تعني وحدة الهدف وتكامل المسؤولية، مع فسح المجال لاختلاف الرأي والتخصص قبل اتخاذ القرار. فالخبير المالي يسأل عن الكلفة والاستدامة، والمختص الاجتماعي عن الفئات التي ستتحمل العبء، والمختص النفسي عن الشعور بالأمان والقدرة على التكيف، والقانوني عن الحقوق والعدالة. ويضيف العاملون في الميدان والمواطنون معرفةً قد تغيب عن التقارير. وتبرز مسؤولية القيادة في جمع هذه الرؤى، والموازنة بينها، ثم حسم القرار وتحمّل مسؤوليته.

ولنتأمل أمثلة افتراضية قريبة من الحياة اليومية. إذا اقتُرح رفع رسوم خدمة عامة لتحسين إيراداتها، فإن الدراسة ينبغي أن تتجاوز مقدار الدخل المتوقع إلى قدرة الأسر على الدفع. فالرسم المتساوي قد يفرض عبئًا متفاوتًا بحسب الدخل وعدد أفراد الأسرة وتكرار الحاجة إلى الخدمة. وقد تضطر أسرة محدودة الدخل إلى تقليص إنفاق أساسي آخر أو الاستدانة. عندئذ ينبغي مقارنة الزيادة ببدائلها، ودراسة الإعفاءات الموجّهة والتدرج في التطبيق، حتى لا يتحول تحسين إيرادات جهة إلى زيادة حاجة الأسر إلى المساعدة.

وفي الخدمات الصحية، قد يبدو دمج مركزين في مركز أكبر وسيلة لتحسين التجهيزات والاستفادة من الكوادر. لكن الحكم على القرار يتطلب معرفة المسافة التي سيقطعها المريض، وتوافر النقل وكلفته، وقدرة كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة على الوصول. فإذا أصبحت المراجعة أصعب، فقد يؤجل بعض المرضى المتابعة، ويظهر عبء إضافي لاحقًا على خدمات الطوارئ أو على الأسرة. وقد يكون الدمج مناسبًا إذا رافقته ترتيبات تحفظ الوصول إلى الرعاية؛ لذلك ينبغي احتساب كلفة هذه الترتيبات ضمن القرار منذ البداية.

أما رقمنة الخدمات الحكومية، فتتيح تقليل الوقت والجهد، لكن حصر الخدمة في تطبيق قد يصعّبها على من يفتقر إلى المهارة الرقمية أو الجهاز المناسب، أو يحتاج إلى ترتيبات خاصة بسبب إعاقة. وقد يصبح المواطن مضطرًا إلى دفع المال لشخص آخر كي يُنجز معاملته.

لذلك ينبغي قياس النجاح بقدرة مختلف الفئات على إتمام الخدمة، وتوفير مساعدة مباشرة وبدائل مناسبة لمن يحتاجها، إلى جانب قياس عدد المعاملات الإلكترونية.

تكشف هذه الأمثلة أهمية إدراج الأبعاد الاجتماعية والنفسية في صلب دراسة القرار. فاستقرار الدخل، وإمكان الوصول إلى الخدمة، والقدرة على فهم الإجراءات والتخطيط للمستقبل، كلها أمور تمس حياة الناس وطمأنينتهم. وقد دعت منظمة الصحة العالمية إلى إدماج الصحة النفسية في السياسات الحكومية عبر قطاعات متعددة، منها التعليم والعمل والحماية الاجتماعية والتنمية الحضرية. ومن هذا المنظور، يستحق أثر القرار في الأمان النفسي والكرامة والعلاقات الأسرية أن يُناقش قبل التنفيذ، وأن يُتابع بعده.

وفي الأردن، ينبغي أن تراعي دراسة القرار اختلاف الظروف بين المناطق والفئات، وأن تختبر إمكان تطبيقه في قرية بعيدة كما تختبره في مركز المدينة. كما تستحق الآثار المتراكمة اهتمامًا خاصًا؛ فقد تبدو زيادة منفردة محدودة، لكن تزامنها مع زيادات أخرى أو تغيير مواعيد خدمة ونقل موقعها قد يفرض عبئًا أكبر مما توحي به دراسة كل إجراء على حدة.

ولهذا أرى ضرورة أن يسبق القرارات ذات الأثر الواسع تقييمٌ متكامل يحدّد المشكلة وأسبابها، ويقارن البدائل، ويبيّن المستفيدين والمتضررين، والآثار المالية والاجتماعية والصحية والبيئية المتوقعة. وهذا ينسجم مع مبادئ تقييم الأثر التي تعرضها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بما فيها مقارنة الخيارات ووضع ترتيبات للمتابعة والتقييم. وينبغي أن يتناسب عمق الدراسة مع حجم القرار وخطورته، حتى يخدم التقييم جودة العمل ولا يتحول إلى عبء إجرائي يعطّله.

وتحتاج هذه المراجعة إلى جهة تقودها، ومسؤوليات محددة للوزارات والهيئات المشاركة، وموعد واضح للحسم. وأقترح أن تُناقش أمام صاحب القرار أقوى الحجج التي تعارض المقترح، وأن يُطلب من الفريق بيان الظروف التي قد يفشل فيها. بذلك يصبح اختلاف الرأي وسيلة مبكرة لاكتشاف الخلل، ويصبح الاتفاق النهائي قائمًا على فحص البدائل وتقدير عواقبها.

وللمواطنين دور في هذا الفحص. فالمريض الذي يعرف صعوبة الوصول إلى المركز، والعامل الذي تتغير كلفة انتقاله، وصاحب المشروع الصغير الذي يواجه إجراءً جديدًا، يستطيعون إظهار تفاصيل مؤثرة. وتكتمل قيمة الاستماع إليهم حين يُشرح ما تغيّر في المقترح نتيجة ملاحظاتهم، ولماذا تعذر الأخذ ببعضها، وكيف ستُخفف الأعباء التي لا يمكن تجنبها.

ثم تستمر المسؤولية بعد صدور القرار. ينبغي تحديد موعد لمراجعته، ومؤشرات تكشف أثره في حياة الناس، مثل كلفة الحصول على الخدمة ووقت الوصول إليها والفئات التي تعثّر انتفاعها بها. وحيث تسمح طبيعة القرار، يمكن البدء بتطبيق محدود قبل التوسع. وإذا كشفت المتابعة ضررًا غير متوقع، فإن تعديل القرار استجابة مسؤولة للأدلة. أما القرارات العاجلة، فتحتاج إلى متابعة مبكرة بقدر ما تضيق فرصة دراستها مسبقًا.

العقل الحكومي الموحّد يرى ما وراء حدود الوزارة، والتفكير متعدد الاتجاهات يساعده على تقدير ما قد يغيب عن التخصص الواحد. وما نحتاجه هو قيادة تحسم بعد أن تستمع وتفحص، وتراجع ما قررته على ضوء النتائج. وعند تقييم أي قرار، يبقى السؤال الأهم حاضرًا؛ هل عالجنا المشكلة، أم نقلنا كلفتها إلى أسرة أخرى، أو مؤسسة أخرى، أو إلى الغد؟

* جامعة العلوم والتكنولوجيا





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :