مواجهة التطرف خلف القضبان .. تأهيل الإنسان وحماية المجتمع
08-11-2026 03:21 PM
لم تعد مواجهة الإرهاب والتطرف مسؤولية أمنية تقتصر على منع الأعمال الإرهابية وملاحقة مرتكبيها، بل أصبحت تتطلب معالجة أعمق للأفكار والدوافع والظروف التي تقود إلى التطرف والعنف.
ومن هنا تبرز أهمية المؤسسات العقابية بوصفها جزءاً من منظومة المواجهة، ليس من خلال تنفيذ الأحكام القضائية فحسب، وإنما عبر برامج متخصصة تستهدف الحد من التطرف ومنع تجدد السلوك الإرهابي بعد الإفراج.
وتكتسب مراكز الإصلاح والتأهيل في الأردن أهمية خاصة في هذا المجال، باعتبارها بيئة يمكن من خلالها التعامل مع المحكوم عليهم وفق برامج تراعي طبيعة الجرائم وخطورتها ودوافع مرتكبيها.
فالتعامل مع مرتكبي جرائم الإرهاب والتطرف لا ينبغي أن يكون امتداداً للبرامج التقليدية المخصصة لبقية النزلاء، بل يتطلب خططاً فردية تستند إلى تقييم مهني لمستوى الخطورة، وطبيعة المعتقدات المتطرفة، ومدى قابلية الشخص للتأثر أو التأثير في الآخرين.
وتبدأ المعالجة الفاعلة بفهم جذور التطرف، والتمييز بين العوامل الفكرية والنفسية والاجتماعية التي أسهمت في تبنيه. لذلك ينبغي أن تتكامل في برامج التأهيل أدوار المختصين في علم النفس والاجتماع والسلوك الإجرامي، إلى جانب علماء الدين المؤهلين، لمعالجة المفاهيم الدينية المغلوطة، وتفكيك التبريرات التي تمنح العنف مشروعية زائفة، وتعزيز قيم الاعتدال والتسامح وقبول الاختلاف واحترام القانون.
ولا تقل المعالجة النفسية والاجتماعية أهمية عن المعالجة الفكرية؛ إذ قد ترتبط بعض حالات التطرف بتجارب شخصية أو اضطرابات في العلاقات الأسرية والاجتماعية أو مشاعر الإقصاء والانتماء إلى جماعات متشددة.
ومن ثم، فإن برامج التأهيل تحتاج إلى حوار متخصص، وإرشاد نفسي واجتماعي، وتنمية مهارات التفكير النقدي، وتعزيز القدرة على التعامل مع الاختلاف بعيداً عن التعصب والعنف.
وفي المقابل، تبرز ضرورة إدارة النزلاء وفق مستويات الخطورة والتأثير المحتمل، من خلال الفصل المدروس للحالات عالية الخطورة، ومنع استغلال بيئة مراكز الإصلاح في نشر الأفكار المتطرفة أو استقطاب نزلاء آخرين أو تجنيدهم. ولا يعني ذلك الاكتفاء بالعزل، بل يجب أن يقترن بإشراف متخصص وبرامج علاج وتأهيل مناسبة، ومراجعة مستمرة للتقييمات، مع ضمان الحقوق القانونية والإنسانية للنزلاء.
لكن نجاح هذه الجهود داخل مراكز الإصلاح لا يكتمل من دون التخطيط لمرحلة ما بعد الإفراج. فالمفرج عنه قد يواجه ظروفاً تعيد إنتاج عوامل التطرف أو تدفعه إلى العودة إلى السلوك الإجرامي، مثل التفكك الأسري والبطالة والوصمة الاجتماعية وضعف فرص الاندماج.
لذلك تصبح الرعاية اللاحقة امتداداً ضرورياً للتأهيل، وتشمل المتابعة النفسية والاجتماعية، ودعم الأسرة، والتدريب والتشغيل، ومواصلة الإرشاد الفكري، والتنسيق مع الجهات المختصة ومؤسسات المجتمع المدني. كما أن مواجهة التطرف لا تنتهي عند أبواب مراكز الإصلاح؛ فالأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية شركاء في الوقاية، من خلال نشر ثقافة الحوار والاعتدال، وتعزيز الوعي بمخاطر خطاب الكراهية والاستقطاب، وتحصين الشباب من الأفكار التي تبرر العنف.
ويظل التعاون المسؤول مع الأجهزة الأمنية والإبلاغ عن المؤشرات الجدية للأنشطة الإرهابية، وفق القانون، عنصراً مهماً في حماية المجتمع.
إن معالجة الإرهاب والتطرف داخل المؤسسات العقابية مسؤولية تتطلب الجمع بين الأمن والتأهيل، وبين الرقابة والمعالجة الفكرية والنفسية والاجتماعية. فالهدف لا يقتصر على منع الخطر داخل مراكز الإصلاح، بل يمتد إلى تقليص فرص عودته بعد الإفراج، وحماية المجتمع من إعادة إنتاج التطرف والعنف.