الهاشمية تُؤبّن فقيدها .. وتطلق اسم الشهيد برقان على قاعة الدراسات العليا في الآداب
08-11-2026 05:43 PM
عمون - استذكارًا لمسيرته الأكاديمية والفكرية والوطنية، وتقديرًا لما قدمه من إسهامات علمية وإنسانية، أقامت الجامعة الهاشمية برعاية رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور خالد الحياري، حفل تأبين للشهيد الدكتور عاصم برقان أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية في كلية الآداب الذي غيّبته يد الغدر في أحداث كنيسة حمود في الكرك، والذي يُعدّ من الشخصيات الأكاديمية التي أسهمت في إثراء الحياة العلمية والفكرية، تاركًا إرثًا أكاديميًا وإنسانيًا يظل حاضرًا في ذاكرة الجامعة وأسرتها.
وحضر حفل التأبين نواب رئيس الجامعة وعمداء الكليات، وأبناء الشهيد وعدد من ذويه، إلى جانب زملاء الفقيد وأصدقائه من أسرة الجامعة، أكاديميين وإداريين، وطلبته في مختلف المراحل الدراسية، فضلًا عن حشد كبير من طلبة الجامعة وخريجيها، توافدوا جميعًا لوداع أستاذ ترك في نفوسهم أثرًا لا يمحى، في تجسيد لالتفاف الأسرة الجامعية حول ذكرى أحد أبنائها المخلصين.
وقال الأستاذ الدكتور الحياري: نلتقي اليوم في رحاب الجامعة الهاشمية، لنقف وقفة إجلال أمام ذكرى إنسان عزيز، وزميل كريم، وأستاذ جامعي ملتزم ومخلص في عمله، غيّبته يد الإرهاب الغادرة، لكنها لم تستطع أن تغيّب أثره من النفوس، ولا مكانته من القلوب، مضيفًا: نستذكر فقيدنا الغالي الدكتور عاصم برقان الذي كان رحيله فاجعة لأسرته ومحبيه، وخسارة لجامعتنا وأسرتها الأكاديمية.
وأكد أن رسالة الأستاذ الجامعي لا تنتهي بانتهاء المحاضرة، ولا يقاس عطاؤه بعدد سنواته في التعليم، وإنما بما يتركه من أثر في عقول طلبته، وما يغرسه من قيم في نفوسهم، وما يسهم به في تقدم مجتمعه.
وأعلن الدكتور الحياري عن تسمية قاعة الدراسات العليا في كلية الآداب باسم قاعة الدكتور عاصم برقان وفاءً لذكرى الفقيد وتقديرًا لعطائه وتأكيدًا على أن أثره سيبقى حاضرًا في رحاب جامعته، وبين زملائه وطلبته، وأن الوفاء لأبناء الجامعة المخلصين جزء أصيل من رسالتها وقيمها، راجيًا أن يكون هذا الاسم للطلبة والباحثين تذكيرًا بقيمة الإنسان الذي حمل رسالة المعرفة، وبالمسؤولية التي تقع على عاتق الأجيال في مواصلة طريق العلم والوعي وخدمة الوطن.
وقال: إننا إذ نستذكر شهداءنا في فاجعة الكرك، نستذكر القيم الأردنية الأصيلة التي جسدتها الكرك وأهلها عبر تاريخهم الطويل، من نخوة ووفاء وتكافل وتآخٍ، ونؤكد أن وحدتنا الوطنية ليست شعارًا نردده، بل قيمة نعيشها، وعهدًا نصونه، ومسؤولية ننقلها إلى أبنائنا، مضيفًا أن الإرهاب قد يخطف حياة إنسان، لكنه لن يستطيع أن يخطف إنسانيتنا، ولن يتمكن من زرع الفرقة بين أبناء الوطن.
وأشار الدكتور الحياري إلى أن القلوب لا تزال تستحضر شهداء الكرك، حتى تلقت نبأ ارتقاء شهيد جديد من شهداء الواجب العريف جواد السلايطة الذي امتدت إليه يد الإرهاب الغادرة وهو يؤدي رسالته في حماية أمن الوطن والمواطنين، مبينًا أنه بين كنيسة حمود في الكرك وموقع أداء الواجب في العاصمة عمّان، تتجلى حقيقة وطنية عميقة، وهي أن سلامة المواطن الأردني وكرامته وأمنه جوهر الرسالة التي تجمعنا، وأن دماء الأبرياء وتضحيات رجال الأمن تضع في أعناقنا جميعًا مسؤولية صون الوطن، وحماية وحدته، والوقوف صفًّا واحدًا في مواجهة التطرف والإرهاب.
وبيّن الدكتور الحياري أن ما يضاعف ألم الفقد أن يكون الرحيل بفعل إرهاب غادر، لا يعرف للإنسان حرمة، ولا للحياة قداسة، ولا للعلم رسالة، موضحًا أن الإرهاب حين يستهدف إنسانًا بريئًا لا يعتدي على فرد، وإنما يعتدي على قيم المجتمع، وعلى حق الإنسان في الحياة والأمن والكرامة.
وأكد أن مسؤولية الجامعات لا تقف عند حدود التعليم ونقل المعرفة، بل تمتد إلى بناء العقول المستنيرة، وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح، وتحصين الأجيال في مواجهة التطرف والكراهية، قائلًا: إننا في الجامعة الهاشمية نؤمن أن بناء الإنسان الواعي هو أحد أهم سبل حماية الأوطان وصون مستقبلها.
وتوجه إلى أسرة الفقيد بالقول: باسم الجامعة الهاشمية، أتقدم إليكم بخالص مشاعر العزاء والمواساة، مؤكدين أن مصابكم هو مصابنا، وأن فقيدكم سيبقى حاضرًا في وجدان أسرته الجامعية، مضيفًا: نعلم أن الكلمات، مهما بلغت من صدق، لا تعيد غائبًا، ولا تملأ فراغ الفقد، ولكننا نرجو أن تجدوا في اجتماعنا اليوم، وفي هذه الوقفة الوفية، بعض العزاء، وتعبيرًا صادقًا عن مكانة فقيدنا، ومحبتنا ووفائنا لذكراه.
وألقى عميد كلية الآداب الأستاذ الدكتور كفاح العمري كلمة قال فيها: أقف أمامكم اليوم لأقول إننا فقدنا أخًا وزميلًا وأستاذًا جامعيًا عزيزًا علينا جميعًا، مضيفا أن الحاضرين لم يجتمعوا لتعزية أسرة الفقيد فحسب، بل ليتلقوا العزاء معها، فالفقيد أحد أفراد أسرتنا الواحدة المتماسكة في الكلية والجامعة وفي وطننا ككل.
واستذكر ما جسّده الفقيد من قيم جوهرية، في مقدمتها الإنجاز والانتماء الوطني والفكر التشاركي والعدالة والشفافية والتسامح وقبول الآخر والانفتاح على الحضارة الإنسانية، مشيرا إلى أن الفقيد كان منتميًا لوطنه، يؤمن بهذه القيم إيمانًا راسخًا ويجسدها واقعًا في تعامله الراقي مع زملائه الأساتذة وأبنائه الطلبة، وهو ما بدا جليًا بعد وفاته من خلال الأثر الذي تركه في نفوس زملائه وطلبته.
وألقت ابنة الشهيد داريا، كلمة قالت فيها: نستذكر اليوم أبي الشهيد الدكتور عاصم، ومعه شهداء عمّان، ونستذكر كذلك الشهيد جواد السلايطة؛ الرحمة لأرواحهم جميعًا، موضحة أن والدها كان قليل الكلام عن نفسه، كثير الفعل، يمد يده إليهم كلما احتاجوا إليه بلا تردد ولا سؤال، وأن أفعاله كانت تقول حبه عنه.
وأضافت: بعد رحيله، عرفت أن هذا الحب لم يكن لنا وحدنا، بل لطلابه أيضًا ولكل من احتاج إليه، مشيرة إلى أن والدها أوصاها بأن تبذل ما في وسعها من أجل وطنها وأن تسعى إلى الأفضل له إن استطاعت، وأنه بدأ ذلك في هذه الجامعة، قائلة: ها أنا اليوم باقية هنا في الوطن الذي علّمني أن أحبه، وتوجهت إلى طلبة والدها بالقول: كونوا أقوياء كما أرادني أن أكون، غيّروا ما حولكم ووطنكم إلى الأفضل إن استطعتم، وتذكروا أنه أحبكم.
وألقى نجل الفقيد دانيال، كلمة قال فيها إن والده كتب له: اتبع عقلك دائمًا، ولا تستخدم قوتك أبدًا ضد الضعيف، وتذكر يا بني بأن العالم جميل والناس جيدون، ففي كل إنسان ماسة، عليك أن تكتشفها بنفسك، وأكد أن والده ما كان ليرضى أن يصير استشهاده فتنة، مبينًا أن من حقه على الذين تعلموا منه أن يحفظوا أفكاره ويحاربوا بها الفكر المتطرف، فالأفكار لا تُقتل، بل تُهزم بفكرة أرحب منها، فالتطرف يرى في المختلف عدوًا، أما أبي فكان يرى في كل إنسان ماسة.
وألقى رئيس قسم العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية الدكتور مهند الخمايسة كلمة قال فيها إن الفقيد كان شديد الاعتزاز بالأردن وبانتمائه العربي وباللغة العربية، فحرص على تعزيز حضورها في التعليم الجامعي وتشجيع استخدامها في التدريس والنقاش الأكاديمي.
وبيّن أن اهتمام الفقيد بالشأن الوطني والقومي لم يقتصر على قاعات التدريس، إذ شارك قراءه تحليلاته في قضايا السياسة الدولية ضمن سلسلة مقالات بعنوان "مائة كلمة ونيّف"، كما ظهر في وسائل الإعلام الناطقة باللغة البولندية حاملًا إليها قضايا وطنه وأمته، فلم تكن هويته عائقًا أمام انفتاحه على العالم، بل دافعًا لمخاطبته، وأضاف أن هذا الانتماء تجلّى في حرصه على جامعته ومصلحتها، فقد عُرف نشيطًا ومبادرًا، لا يتردد في التعبير عن رأيه والدفاع عما يعتقد أنه صواب.
وألقى كلٌّ من الطالب شاكر المشاقبة طالب الماجستير وخريج قسم العلاقات الدولية، والطالبة رهف عطية خريجة القسم لعام 2025، كلمة باسم طلبة القسم، أبرزا فيها رسائل الوفاء والأثر، مستذكرَين دعمه المستمر لطلبته وغرسه الثقة في نفوسهم، ومستشهدَين بمسيرته وأفكاره وأقواله.
وقدّما شهادة عفوية استعادا فيها الروح القريبة للأستاذ الراحل مع طلبته، مستحضرَين مواقفه العفوية معهم وعباراته المعهودة، ومشيرَين إلى اعتزازه بوطنه وأرضه وارتباطه الراسخ بوطنه، وأكدا أن حماية أفكاره ومحاربة الفكر المتطرف هما الواجب الأساسي لطلبته.
وعرض طلبة القسم فيلمًا مصورًا استذكر مسيرة الشهيد الراحل وعلاقته بطلبته وزملائه، ودوره في بثّ الحماس العلمي بين الطلبة والخريجين، وقربه منهم، وفي ختام الحفل، سلّم الدكتور الحياري، ابنَي الشهيد علمَ المملكة الأردنية الهاشمية وعلمَ الجامعة ودرعًا تكريميًا.