الأصولية الإسلامية Islamic Fundamentalism، والاحياء الإسلامي Islamic Revival، والإسلام السياسي Political Islamic، هي جميعاً مفاهيم أو ظواهر سياسية ذات معاني وأبعاد ودلالات مختلفة، الأمر الذي يستوجب التريث قبل اختيار أي من هذه المفاهيم لدراسة الظاهرة الدينية في المجتمعات الحديثة، وبالتالي اتخاذ موقف حاسم تجاهها (1). إلا ان كافة المفاهيم السابقة تتناول علاقة الدين بالدولة أو الإسلام بالسياسة، والحقيقة أن ارتباط الدين بالسياسة لم يعد ظاهرة جديدة، فضلاً أنها لا تخص دين بعينه وذلك لجملة من الأسباب لعل أبرزها:
1. ان الدين يرتبط بالدولة بنواحي متعددة متشابكة خصوصاً أن الدولة كتجسيد للسلطة والتنظيم السياسي أصبحت نموذج عالمي لا بديل عنه.
2. ان الكثير من الأديان وأبرزها الإسلام والمسيحية واليهودية هي في بعض ملامحها قوى عالمية فاعلة ومؤثرة في المجتمعات المعاصرة.
3. ان الصراعات ذات الطابع الديني يمكن ان تنشأ داخل حدود الدولة الواحدة او فيما بين الدول.
4. تنامي دور الرموز والمؤسسات الدينية وكذلك دور رجال الدين وأماكن العبادة داخل الدولة.
5. ان كثير من تصرفات وأفعال وتوجهات القادة السياسيين ذات جذور ودوافع دينية في المقام الأول(2).
وبالرغم من ان الظاهرة الدينية هي ظاهرة عالمية إلا ان التركيز منصب على العالم الإسلامي لأسباب متعددة، لا مجال لذكرها والوقوف على حقيقتها في هذه الورقة التي تتناول جماعات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط.
أولاً: أسباب صعود جماعات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط:
لا شك انه قبل ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن، فان دور الدين في الحياة العامة كان يلقى قليل من الاهتمام لدرجة ان احد الكتاب الغربيين الذي ألف كتاباً بعنوان " السياسة في الإسلام" توصل الى نتيجة مفادها انه من المفيد جدا فيما يتعلق بالسياسة أن يكون محط الاهتمام والتركيز على المسلمين بدلاً من الإسلام(3). ولا شك أن لمثل هذا الاستنتاج ما يبرره في ذلك الوقت ذلك أن الاتجاه العام السائد حين ذاك فيما يخص قضايا المجتمع والتنمية كان يقوم على أن على المجتمع ولاسيما في دول العالم الثالث أن يتبع الخطى التي سارت عليها الدول المتقدمة فيما يتعلق بالنهضة والتحديث، والتي تقوم على جمله من المرتكزات لعل أبرزها العلمانية وفصل الدين عن الدولة، ذلك أن المجتمع الحديث هو مجتمع علماني بالأساس، فالتحديث في المجال السياسي على سبيل المثال يعني العقلانية والثقافة الديمقراطية والمجتمع المدني، وهي امور لا علاقة أو شأن للدين بها.
إلا أن الأحداث في العقديين الماضيين وبالتحديد منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979م ووصول جبهة الإنقاذ الإسلامية الى الحكم في السودان في عام 1989م وانتهاءً بفوز حركة المقاومة السلامية حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني هذا العام، إضافة الى تواجد قوي وفعّال للجماعات الإسلامية في البرلمان والأحزاب السياسية، وكثير من منظمات المجتمع المدني في عدد كبير من دول الشرق الأوسط مثل مصر، الأردن، تركيا، الباكستان، لبنان، وغيرها من الدول الإسلامية، كل ذلك يدل بشكل قاطع على انتقال الإسلام كقوة فاعلة في المجتمع من الهامش الى المركز، وبالتالي أصبحت الظاهرة الدينية محط اهتمام وتركيز الساسة، وصانعي القرار، والمفكرين على حد سواء، والسؤال الذي يقفز الى الأذهان في هذا السياق ما هي العوامل والأسباب التي أدت الى بروز جماعات الإسلام السياسي بعد فترة غير قصير من الغياب وعدم التأثير؟
وقبل الإجابة على السؤال السابق لابد من الإشارة الى أن لكل مجتمع ظروفه وقيمه وأوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أن لكل جماعة إسلامية برنامجها الخاص وظروف نشأه خاص بها إضافة الى بيئة النظام السياسي الذي تعمل في كنفه الأمر الذي يجعل التعميم غير موفق وفيه تبسيط للأمور في بعض الأحيان، فصعود التيار الإسلامي في تركيا مثلاً يعود لظروف ودوافع تختلف تماماً عن صعود الحركة الإسلامية في السودان أو الجزائر مثلاً، إلا أنه ولغايات هذه الورقة فإنه يمكن بشكل عام تلخيص ابرز العوامل التي أدت الى صعود التيار الإسلامي أو ما يسمى بجماعات الإسلام السياسي في العالم العربي ولعل أبرزها:
1. فشل المشروع النهضوي العربي: فمنذ استقلال كافة الدول العربية عن الاستعمار الأوربي في أواسط القرن الماضي وحتى سقوط بغداد عام 2003م، فقد فشل العرب في تحقيق الاستقلال السياسي أو الوحدة العربية أو التنمية الاقتصادية او العدالة الاجتماعية، ووفقاً للتفسير الديني فإن هنا الفشل كان نتاج فشل النماذج الغربية المستوردة وعلى رأسها القومية والعلمانية والاشتراكية والليبرالية، وعلاوه على الفشل فقد تميزت النماذج السابقة بنزعة مادية جامدة وإفلاس روحي Spiritual Bankruptcy ، كل ذلك مهّد الطريق للبحث عن نموذج بديل فأصبح بديل الإسلام هو الحل، بديلا جذرياً ومقبولاً للكثيرين(4).
2. الموقف الغربي المناوئ للإسلام والشرق بشكل عام: أن تراث العداء بين الشرق والغرب أو الإسلام والمسيحية واليهودية لا يزال يشكل في كثير من الأحيان اتجاهات ومواقف كل من الطرفين تجاه الأخر، بل أن الكثير من المواقف والتصريحات الغربية تجاه العالم الإسلامي لا تزال تحكمها عقلية الحروب الصليبية ولا شك ان موقف الغرب تجاه الكثير من القضايا الإسلامية بداً من قضية فلسطين ومروراً بالاحتلال الأمريكي للعراق وانتهاءً بالرموز والصور المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم تعطي بعض المصداقية لهذه الرؤية، وبالمقابل فإن الغرب لا زال يعتبر الإسلام دين دموي يشجع على القتل والإرهاب ويسيء معاملة المرأة ..... الخ، والخلاصة ان كلاهما يكره الآخر، وكما يقول صموئيل هنتنجتون " أربعة عشر قرناُ أثبتت أن العـلاقة بين الإسلام والمسـيحية كـانت غـالباً عاصـفة وكل واحـد كان نقيـضاً للآخر" (5).
3. الثورة الإيرانية سنة 1979م: فعلاوة على محاولات إيران المستمرة تصدير الثورة الى العالم الإسلامي وتقديمها الدعم المادي والعسكري أحياناً الى كثير من الجماعات الإسلامية بدا بحزب الله في لبنان وحتى الجماعات الإسلامية في السودان والجزائر، ومصر وفلسطين، فإن الإطاحة بنظام حكم الشاه بواسطة انتفاضة أو ثورة شعبية، قدمت النموذج للكثير في العالم الإسلامي بأن الأنظمة التسلطية ولاسيما الفاسدة والعلمانية يمكن الإطاحة بها وإقامة حكم الله في الأرض بدلا منها وإعلان الحرب على الغرب ولاسيما الشيطان الكبر الولايات المتحدة الأمريكية(6).
4. ظهور مجموعة من القادة والمفكرين الذين قدموا البيان الإسلامي رقم (1) لجماعات الإسلام السياسي: من أمثال حسن البنا وسيد قطب في مصر، حسن الترابي في السودان، راشد الغنوشي في تونس، احمد ياسين في فلسطين، حسن نصر الله في لبنان، وغيرهم من القيادات الكارزماتية والتي كان لجهودها وأفكارها دوراً بارزاً في دعم جماعات الإسلام السياسي فضلا عن أن هذه القيادات تحضي باحترام الكثيرين من مسلمين وعلمانيين وذلك لأسباب متعددة منها ما يتعلق بالإنتاج الفكري السياسي ومنها ما يتعلق بالمواقف السياسية لهؤلاء الرموز (7).
5. غياب الحرية الديمقراطية وشيوع الفساد والاستبداد والفقر في معظم الدول العربية: إن غياب الديمقراطية شكل البيئة الخصبة لنمو وانتشار الأفكار المتطرفة التي تبشر المعذبين في أوطانهم بأنهم بانضمامهم للحركة الإسلامية فإنهم لن يخسروا سوى معاناتهم وحرمانهم، وانه سوف يكافؤا ان لم يكن في الدنيا ففي الحياة الآخر على مواقفهم وانضمامهم للحركة الإسلامية، وبالتالي أصبح الإيمان بمبادئ الحركة الإسلامية جهاد والدفاع عنها استشهاد والانضمام لها عمل نبيل ومقدس أحياناً.
6. غياب وضعف مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب وجمعيات ومؤسسات، الأمر الذي مكّن جماعات الإسلام السياسي من سدّ هذا الفراغ بواسطة سيطرتها على المساجد والمراكز الدينية والجمعيات الخيرية وتقديم الدعم لأعضاء هذه المراكز ولاسيما في أوقات الكوارث والنكبات حتى أنها أحياناً كانت تقدم الدعم للمتضررين قبل وصول أجهزة ومؤسسات الدولة، الأمر الذي أعطى هذه الجماعات شرعية ومصداقية لدى فئات واسعة من أبناء المجتمع، إضافة الى ذلك إن الدولة تستطيع حلّ حزب سياسي أو إغلاق جمعية أو منتدى ولكن ليس بوسعها أن تفعل ذلك مع بيت الله (الجامع) الذي أصبح تحت هيمنة هذه الجماعات (8).
ثانياً: مستقبل جماعات الإسلام السياسي:
إن جماعات الإسلام السياسي شأنها شأن العديد من التنظيمات السياسية والحركات الاجتماعية والفكرية قد تمر بأطوار ومراحل تتراوح ما بين النمو والصعود Rise والضعف والانهيار Decline ومن ثم الزوال، وقد تمر بمراحل ضعف وجمود وثم تنهض من جديد وتصل الى قمة الهرم السياسي، ولا شك أن مستقبل هذه الجماعات بشكل عام يعتمد على مجموعة من العوامل أو الظروف منها ما يتعلق بالجماعات نفسها ومدى قدرتها على التكيف سواء على مستوى (التنظيم أو الأيديولوجية) مع الظروف والمتغيرات الجديدة سواء على الصعيد المحلي أو الخارجي، كما قد يعتمد مسارها وتطورها أو ضعفها على طبيعة النظام السياسي الذي تعمل في كنفه ونظرة النظام السياسي لها، وأخيراً البيئة الدولية بشكل عام، إلا أنه يمكن القول أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل جماعات الإسلام السياسي بشكل عام وهي:
1. الانهيار Decline:
إن استعراض الظروف والأسباب التي أدت الى نشوء وتطور جماعات الإسلام السياسي في أكثر من بلد عربي يشير بوضوح الى فشل النظام السياسي أو الدولة في توفير الحاجات الأساسية وتلبية التطلعات الوطنية لأفراد ذلك المجتمع، الأمر الذي جعل النظام السياسي فاقداً للشرعية في نظر الكثير من مواطنيه الذين اخذوا ينظرون الى الجماعات الإسلامية كبديل لذلك النظام، يعلقون عليه الآمال في تحقيق طموحاتهم وأحلامهم وخلاصهم.
ومما لاشك فيه أن التنمية بأبعادها المختلفة، اقتصادياً، سياسياً، اجتماعياً تعتبر أحد ابرز وسائل مواجهة الجماعات الإسلامية، ففي الأنظمة الديمقراطية، قد تصل جماعات الإسلام السياسي الى السلطة بانتخابات حرة نزيهة، ثم تلبث أن تصطدم بالواقع وتفشل في تحقيق برنامجها وتنفيذ كامل وعودها، الأمر الذي يفقدها مصداقيتها وشرعيتها، وبالتالي يفتر الحماس لها، وينفر المواطن من برامجها وأفكارها، الأمر الذي يمهد الطريق لإضعافها وتهمشها، فعلى سبيل المثال لو أتيح المجال لجبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر في الوصول الى السلطة وتنفيذ برنامجها السياسي، فإنه من المؤكد أن الجزائريين كانوا سوف يتجنبوا شلال الدم والحرب الأهلية التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى، ومن المرجح أن جبهة الإنقاذ كانت سوف تعدّل برنامجها وتصبح أكثر واقعية أو تصطدم بجدار الواقع وتفشل ويتراجع دورها وتأثيرها في الحياة السياسية في الجزائر.
أما في الأنظمة التسلطية فإن مستقبل هذه الجماعات مرتبط بمدى قدرة النظام على الاستمرار بالسلطة وبالتالي استخدام سياسات القمع والاضطهاد مع مثل هذه الجماعات الأمر الذي يعنى إضعافها والقضاء عليها، وقد تكون جماعة الإخوان المسلمين في سوريا خير مثال على ذلك خصوصاً في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد.
وباختصار يمكن القول أن جماعات الإسلام السياسي تبقى تحت رحمة الظروف الاقتصادية والسياسية في معظم دول الوطن العربي وهي ظروف تشير الى تراجع وضعف في هذه الجماعات بشكل عام في المستقبل(9).
2. الصعود Rise:
قد تتمكن جماعات الإسلام السياسي من استثمار الظروف الداخلية في أي مجتمع من أجل السيطرة وقد تنجح في ذلك خصوصاً إذا ما علمنا أن معظم هذه الجماعات تمتاز بحسن التنظيم والالتزام.
ففي الأنظمة الديمقراطية قد تتمكن جماعات الإسلام السياسي من الوصول الى السلطة بواسطة صناديق الاقتراع، وإذا تمكنت هذه الجماعات من تقديم بعض التنازلات وأحيانا عقد تحالفات مع جماعات أخرى فانه من المرجح ان تتمكن في النهاية من الوصول الى السلطة والبقاء فيها، وفي هذا الإطار فان حركة المقاومة الإسلامية حماس تمثل نموذجاً في صعود جماعات الإسلام السياسي الى السلطة ولكن مستقبل حماس في السلطة يعتمد على قدرة حماس على التعامل مع المستجدات ولاسيما اتفاقيات السلام الموقعة مع إسرائيل.
أما في الأنظمة التسلطية فإن غياب الحرية والعدالة واستمرار الكبت والاضطهاد فقد يؤدي الى مزيد من التعاطف مع هذه الجماعات من قبل أفراد الشعب إضافة الى دفع أعضاءها الى مزيد من التماسك والالتزام بمبادئ الجماعة وأفكارها والتضحية في سبيل هذه الأفكار وبالتالي مواصلة الصراع مع النظام السياسي من أجل تغييره . وفي هذا الصدد يمكن القول أن جماعات الإسلام السياسي في مصر قد استفادت من فساد واستبداد النظام السياسي سواء على صعيد تعاطف الشارع المصري معها أو على صعيد زيادة ثبات وتماسك أعضادها إذ يزيد عمر الجماعة عن سبعة عقود ولا تزال وفق أحكام القانون المصري جماعة محظورة سياسياً , وقد لا نبالغ إذا قلنا أن تاريخ هذه الجماعة يدل على أنها في نمو وتطور مستمر، وبالتالي لا نفاجأ إذا ما وصت يوماً ما الى قمة الهرم السياسي في مصر اذا ما أجريت انتخابات حرة نزيهة .
3 – الإحتواء : Containment
وهذا يعني أن تبقى جماعات الإسلام السياسي ضمن نطاق معين إذ لا يسمح لها بالازدهار والتطور والوصول إلى السلطة وبنفس الوقت لا يتم مطاردتها والقضاء عليها تماماً . ووفق هذا السيناريو فإن هناك مجال أو هامش للحركة أمام جماعات الإسلام السياسي إذا احترمت قواعد اللعبة السياسية والتزمت بها ولم تحاول تجاوز خطوط حمراء أو تغيير قواعد اللعبة السياسية. ووفق هذا السيناريو فإن الجهات المتشددة من جماعات الإسلام السياسي يتم التضييق عليها ومحاربتها فيما يتم مكافأة الجماعات المعتدلة وتقديم بعض المكافآت لها ( مقاعد نيابية, مراكز وظيفية, مساعدات مادية, ... الخ) .
وتمثل الأردن نموذجاً لسياسة الاحتواء في التعامل مع جماعات الإسلام السياسي فالأطراف و الجماعات المتشددة مثل حزب التحرير مثلاً تحارب بلا هوادة أما الفئات المعتدلة والملتزمة بالقوانين والتعليمات فإن هناك هامش من الحرية يسمح لمثل هذه الجماعات وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين بالعمل والمشاركة السياسية. ومما لا شك فيه أن هذا الأسلوب له الكثير من المحاذير إذ إنه في ظل ضعف الأحزاب السياسية وغياب منظمات المجتمع المدني فإن هذه الجماعات قد يأتي اليوم الذي تشق فيه عصا الطاعة وتحاول التمرد على القوانين والتعليمات خصوصاً إذا ما تمكنت من الوصول إلى السلطة بانتخابات ديمقراطية حرة نزيهة وبالتالي تقاوم الاحتواء وتحاول الصعود والهيمنة .
ثالثاً : موقف القوى العظمى من جماعات الإسلام السياسي.
ليس هناك موقف محدد وثابت من قبل القوى العظمى تجاه جماعات الإسلام السياسي إذ أن لكل دولة خبرتها التاريخية وأجندتها الخاصة وأخيراً رؤية النظام السياسي فيها تجاه مثل هذه الجماعات , كما أن النظرة تختلف من جماعة لأخرى فالموقف الدولي ولاسيما الأمريكي هذه الأيام تجاه حركة الإخوان المسلمين في سوريا مغاير تماماً للموقف تجاه حركة الإخوان في مصر مثلاً , ولغايات هذه الورقة فإننا سوف نكتفي بشرح الموقف الأمريكي والأوروبي وأخيراً الصيني تجاه جماعات الإسلام السياسي .
1- الموقف الأمريكي .
حتى قيام الثورة الإيرانية عام 1979 فإنه يمكن القول أن تحالف غير معلن كان قائماً بين جماعات الإسلام السياسي والولايات المتحدة الأمريكية , ففي الخمسينات والستينات من القرن الماضي فإن سياسات ومواقف الإسلاميين كانت تخدم الولايات المتحدة الأمريكية، وفي النزاع الدائر بين الإسلاميين والحركة القومية العربية فقد انحازت الولايات المتحدة إلى الإسلاميين وذلك لحسابات إستراتيجية واعتبارات الحرب الباردة , فقد رأت الولايات المتحدة الأمريكية في الحركة الإسلامية حصن منيع bulwark أمام الفكر الشيوعي(10) وبعد الغزو السوفيتي لأفغانستان بلغ الدعم الأمريكي لجماعات الإسلامي السياسي ذروته , الا ان شهر العسل بين الولايات المتحدة والإسلاميين انتهى بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الإتحاد السوفيتي , وبعد تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993 والذي أدين بنتيجته إسلاميين فقد بدأ الصراع مابين حلفاء الأمس , ذلك الصراع الذي عملت وسائل الإعلام الأمريكية ومن وراءها إسرائيل على تأجيجه ثم جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001م والتي كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير فأعطت الأحداث الكثير الكثير من المصداقية لنظرية صراع الحضارات التي تؤكد ضرورة المواجهة والتصدي للخطر القادم من العالم الإسلامي. ولذلك لا غرابة أن يرى الكثير اليوم أن الحرب المعلنة على الإرهاب هي في حقيقتها وأبعادها وأهدافها حرباً على العالم الإسلامي لاسيما بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق , وباختصار فإن استعراض تاريخ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط فإننا ندرك أن هذه السياسة لا تقيم وزناً للمبادئ والأفكار وإنما للمصالح والحسابات الأمريكية , فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تطارد جماعات الإسلام السياسي في باكستان وأفغانستان واليمن ولبنان ومصر والسودان والجزائر والمغرب وتمارس ضغوطاً في سبيل تصلب موقف الأسرة الدولية تجاه هذه الجماعات، فإنه ليس هناك ما يمنع أن تغير الولايات المتحدة موقفها وتغازل أو تتحالف مع الإسلاميين في المستقبل وقد بدأت التشاور فعلياً مع إخوان سوريا بغية الإطاحة بالنظام القائم حالياً .
2- الموقف الأوروبي
إن ظروف الخبرة التاريخية بين أوروبا والعالم الإسلامي تلعب دوراً بارزاً في التأثير على مواقف الدول الأوروبية تجاه هذه الجماعات , وفي هذا الصدد يقول المفكر العربي ألبرت حوراني:
ج"إن الدين الإسلامي شكًل منذ ظهوره خطراً على أوروبا المسيحية , فالمسيحيون الذين نظروا إلى الإسلام بمزيج من الخوف والحيرة لم يكن بمقدورهم التسليم بمحمد كنبي حقيقي ولا القبول بصدق الوحي الذي نزل عليه" ويشير حوراني إلى "أن الاعتقاد السائد بين المسيحيين في ذلك الوقت كان أن الإسلام دين مزيًف, وأن الله ليس الرب, وأن محمد ليس نبياً وأن الإسلام نشر بين الناس بقوة السيف" (11) .
وإذا كانت جيوش الصليبيين قد انطلقت من أوروبا باتجاه الشرق بينما وقفت جيوش المسلمين على أبواب فينا, فإن هذا التفاعل بين العالم الإسلامي وأوروبا المسيحية قد خلف إرثاً مريراً وذكريات مؤلمة لكلا الطرفين، وبناء على كل ما سبق فإنه ليس من المستغرب أن نجد أن أوروبا قلقة وحذرة جداً في التعامل مع جماعات الإسلام السياسي وهذا الموقف يبدو واضحاً في الموقف الأوروبي من تركيا على سبيل المثال وحزب العدالة والتنمية التركي , ففي الوقت الذي تقف فيه أوروبا موقفاً متصلباً تجاه عضوية تركيا في الإتحاد الأوروبي باعتباره نادياً مسيحياً فهي بنفس الوقت لا تتوانى عن الاستمرار في محاربة حزب العدالة والتنمية وتشويه صورته وإنجازاته .
وفي الخلاصة يمكن القول في انه في ضوء الإرث التاريخي من العداء الأوروبي للعالم الإسلامي فإنه من المستبعد أن تغير أوروبا مواقفها تجاه هذه الجماعات .
3-الموقف الصيني.
تميزت السياسية الصينية بضعف اهتمامها بجماعات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط وهذا يعود لتذبذب السياسة الصينية بشكل عام تجاه الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي، إذ تراوح ذلك الموقف بين دعم صيني قوي للبلاد العربية خصوصاً في أوائل الستينات في عهد( شو ان لاي) إلى اقتراب الصين من إسرائيل وإقامة علاقات واسعة معها . وبشكل عام يمكن القول أن الصين لا تخالف الموقف الدولي تجاه جماعات الإسلام السياسي وذلك للحفاظ على مصالحها الحيوية لذلك يمكن القول أن موقفها بشكل عام موقف معادي لهذه الجماعات ولا يوجد في الأفق القريب ما يشير إلى أن الصين قد تغير موقفها تجاه هذه الجماعات ولاسيما في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية , إلا أنه في ظل تنامي العداء بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً إذا ما أصبحت شرق آسيا قلب الاقتصاد العالمي فإنه من غير المستبعد أن تصبح الصين الدولة الثانية بعد إيران التي تشكل خطراً على الولايات المتحدة الأمريكية, عندها تصبح نظرية صموئيل هنتنتجتون في صراع الحضارات نبؤة حقيقية فتتحالف الصين مع جماعات الإسلام السياسي في مواجهة الغرب ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية, إن تحالف إسلامي صيني له تكاليف مرتفعة ولا شك سوف يترتب عليه مخاطر جمة أقلها الحرب ولكنه غير مستبعد على إطلاق وفي هذا الصدد يقول جرهام فلور : "تحالف كنفوشيوسي - إسلامي يمكن أن يتحقق ليس لأن محمد و كنفوشيوس ضد الغرب ولكن هذه الثقافات تقدم الآلية للتعبير عن المعاناة التي يلومون الغرب على أسبابها جزئياً – الغرب وهيمنته الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية تتزايد حيث تشعر الدول بأنها لم تعد تقبلها أكثر من ذلك" (12) .
قائمة المراجع
1- John L. Esposito, The Islamic Threat: Myth or Reality, 3rd edition, Oxford University press, 1999, P. 5.
2- The Oxford Companion to Politics of the World , New York , Oxford University press , 1993 , PP 778- 782 .
3- Edward Mortimer, Faith and Power: The Politics of Islam, New York, Random house, 1982, P. 406.
4- Esposito, Ibid, P. 11.
5- Samuel P . Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order, New York, Simon and Schuster, 1997, P .209.
6- Gary Sick, All Fall Down: Americas Tragic Encounter with Iran, London, I . B. Tauris , 1985 .
7- John L. Esposito, Tohn O. Voll , Makers of Contemporary Islam , Oxford , Oxford University Press , 2001 .
8- Augustus Richard Norton, Edit, Civil Society in the Middle East, Leiden , E. J. Brill , 1996, Vol .2 P. 9 .
9- Gabriel A Almond, Strong Religion, The Rise of Fundamentalism around the World, Chicago, the University of Chicago press, 2003.
10- Daniel pipes, In the Path of God, Islam and Political Power, New York, Basic books, Inc Publishers, 1983, P. 8.
11- Albert Hourani , Islam in European Thought , Cambridge MA , New York , Cambridge University Press , 1991 , PP 7- 10 .
12- Huntington, The Clash of Civilizations, P. 239.