اللقاء الذي كان يوم الاثنين بين الملك وعدد كبير من الشخصيات الاردنية كان يمثل احد اشكال التواصل الضرورية, والرسالة الاهم التي اراد الملك الحديث فيها ان الأردنيين يثقون بانفسهم ووطنهم وان اي شكل من اشكال التآمر او الافكار التي تطرح صهيونيا عن الخيار الاردني او الوطن البديل ليس لها طريق للنجاح وان على الأردنيين ان يثقوا بانفسهم ووطنهم.
واذا كانت ثقة الاردن كبيرة بقدرته السياسية وغير السياسية على حماية نفسه، فإن هناك مشكلة هي ضعف او زهد او تهرب بعض الجهات السياسية المعنية في ادارة حالة تواصل سياسي مع الأردنيين. فالناس الذين يقرأون ويسمعون الاقاويل والتحليلات كانوا يحتاجون من الجهات المسؤولة الى خطاب سياسي واضح وقوي يبعث الثقة في النفس ويزيل اي مخاوف، لكن ما كان مفقودا هو التواصل السياسي مع الأردنيين وايضا الخطاب الواثق المنطقي، والسبب ان من يفترض انهم اصحاب الولاية لا يملكون المؤهلات السياسية التي تتناسب مع المواقع التي يشغلونها. والحكومة بشكل عام تخلت عن ولايتها على القضايا السياسية بحجة انها مهتمة بالشأن الاجتماعي الاقتصادي، وتخلت عن هذا الدور الاساسي برغبتها ضمن خريطة طريق لتتجنب الاخطاء السياسية ولتبعد وجع الرأس عنها.
ليست كل قضايا الأردنيين مطالب خدماتية عادية او غرفة صفية او جهاز اشعة في مركز صحي. فالأردنيون لهم هموم وطنية واهتمامات اقليمية، ولديهم متابعة عالية للحدث لا تقابل من الجهات المسؤولة بجمل تتكرر دائما عن حل الدولتين والسلام.. فهناك قضايا ومنها ما تحدث عنها الملك أول من أمس تحتاج الى خطاب سياسي ومسؤولين اصحاب حضور ومنطق وقدرة على اقناع الناس ومصداقية سياسية، فهؤلاء في الدول موجهون للناس ودورهم لا يقل اهمية عن قادة الجيوش.
وعندما يتحدث الملك عن خطورة الشكوك على الجبهة الداخلية فان هذا يعني مواجهة لأسبابها، اي التواصل السياسي المنطقي المنهجي، وايضا محاربة بعض الظواهر السلبية التي اشار اليها البعض، ومنها الولاءات الفرعية التي اصبحت جزءا من سلوكيات اصحاب المواقع. فالمسؤول الذي يستغل موقعه وصلاحياته وربما مقدرات الموقع والدولة لبناء ولاء فرعي يجعله هو، وليس الاردن، محل الولاء لن يتردد عندما يفقد مكانه ونفوذه الوظيفي في استغلال الولاءات الشخصية اما لبناء ردات فعل او ممارسة اي سلوك يلحق الضرر بالدولة، وقد يعتقد تحت الوهم وما يسمعه من المريدين والأتباع انه هو فقط من يمثل المصلحة العليا الاردنية، وان الموقع حق له لان من يأخذه بعده سيفرّط بالبلاد والعباد.
هذا النمط من التفكير تتحمل الدولة احيانا جزءا منه لان بعض اسس صناعة اصحاب المواقع تقفز بهم قفزا آليا لا علاقة له بالكفاءة الفنية او القدرة السياسية او حتى القدرات النفسية. ولهذا فعندما يقفز بسرعة من شخص عادي الى "أقوى نوع" يصاب بقناعة انه مركز الدولة وحامي الحمى الذي من دونه سيضيع كل شيء، وقد لا تكون هذه قناعة بقدر ما هي تبرير للغضب الشخصي.
ومن وحي اللقاء تأتي العلاقة مع حماس التي هناك من يراها ضرورة، لكن القضية ليست هنا بل في تعامل رسمي صنع أجواء حول تطور العلاقة لم تكن حقيقية. وكان الامر محاولة لجعل فكرة تحسين العلاقة مع حماس ورقة سياسية ليست للدولة، بل ورقة شخصية في معادلة داخلية. ولهذا لم تشهد العلاقة تحسنا نوعيا، وكان الاصل ان يتم تطويرها لكن لانها حالة مظهرية، فانها كانت تجري في قنوات امنية سرية، لكنها تحولت الى مادة اعلامية وكان يتم تسريب كل شيء، وكأنها لقاءات تتم في وزارة الاعلام وليست في قنوات مغلقة وسرية. وهذا ما ينطبق على العلاقة مع الاسلاميين، فليس هناك ملف تم حله جذريا، لكن المقصود حالة اعلامية ودعاية لاشخاص وورقة داخلية.
دائما سنبقى نطالب بالتواصل، وسيبقى من حق الاردن ان تكون رجالاته بحجمه لا بحجم أحلامها ومصالحها. فالاردن يستحق افضل شيء لدينا، والناس من حقهم ان يجدوا امامهم مسؤوليهم يقدمون الاجابات الشافية عن كل شيء.
sameeh.almaitah@alghad.jo