facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إيديولوجيا الفكر المتطرف والفريضة الغائبة عن أبصار المجتمعات الغربية


إيليا أيمن الربضي
16-03-2019 02:49 PM

نيوزيلندا والتي تسمى أيضًا بِــ(أوتياروا) والتي تعني اصطلاحًا بلغة الماوري (أرض السحابة البيضاء)؛ أصبحت اليوم سحابةً سوداء بعد استيقاظنا على الخبر المُفجع الذي فطر قلوبنا جميعًا على إخوتنا الذين قضوا نتيجة العمل الإجرامي الجبان الذي لا تعترف به أعراقٌ ولا حتى أجناسٌ وأديان، تلك السحابة التي أمست سوداءً أراها اليوم تحمل في طياتها وباطنها شرًا سوف تتناقل به بين كل الدول، قادم الأيام .. واحدةً تلو الأخرى مخلفةً وراءها مجزرةً تلو الأخرى وشهيدًا بشريًا تلو الآخر، ما لم يتم الأخذ – بالسرعة القصوى - بعين الاعتبار كافة الجوانب والمحددات والضوابط التي من شأنها أن تنهي تفاقم الوضع إلى ما هو أشدُّ خطرًا وأعظمَ فتكًا بالبشرية جمعاء، وخاصةً في الدول التي تزعم الديموقراطية والحرية وأقصد هنا دول العالم الأول حَصرًا؛ ففي خضم ألمنا وعزائنا نستذكر اليوم قادةَ دولٍ ومؤسسات همُهم الوحيد كان نشر الكراهية ورفض الآخر عن طريق ما ينبثق منهم من تصريحاتٍ تُشجع صراحةً على العنف والتأويل ضد بقيّة الأعراق وذلك إبان الحرب العالمية الأولى – الهتلرية - حتى يومنا، – الترامبي - هذا؛ بوصفهم بأن كافة بقية الأعراق – على اختلاف أديانهم - أقل منهم قيمة؛ فعن أي ديموقراطية يتحدثون هؤلاء! هل يتحدثون عن تقسيم يوغسلافيا وتدميرها أم قتل الملايين من العرب (المسيحيين والمسلمين) في فلسطين، ليبيا، العراق وسوريا وغيرها من الدول !!!

إن وقع صوت ناقوس الخطر اليوم، بات أشد علّوًا وأكثر ضررًا وأفتكُ خطرًا وأكثر إيلامًا مُنذّ سابِقهِ من الأيام؛ فخطاب الكراهية بدأ يتفشى في المجتمعات الغربية في الآونة الأخيرة كانتشار النار في الهشيم، الأمر الذي أوجبني لزامًا أن أضع النُقاطَ على الحروف من خلال مقالي هذا، بشكلٍ بعيدٍ كل البعد عن الشعارات الرنانة والعبارات النفاقيّة المهترئة التي ينادي بها أولو المصالح الشخصية وأصحاب المكاسب من الكاتبين والباحثين والسياسيين والقانونيين المستهترين بأرواح البشر؛ وذلك من خلال قول كلمة الحق التي اعتدت عليها دائمًا وأبدًا ... ولا شيء غير الحق.

إن مهمتنا كبشر في هذا العالم هو أن نساند بعضنا البعض في سبيل النهضة البشرية والمجتمعية، وأن نحب الآخرين كما نحب أنفسنا لكي تستمر البشرية في وجودها، وذلك دون النظر إلى معتقدات الآخرين، عرقهم، جنسهم أو حتى دينهم؛ لذلك فإن ما نراه يحصل اليوم يجعلنا لزامًا أن نقف ونتأمل حقيقةَ ما آلت له البشرية في يومنا هذا من أوضاعٍ محزنة ومترديّة تبكي عليها القلوب وتدمع عليها العيون والله، فإن قتل الأبرياء – على اختلافهم - بسبب انتمائهم لعرق أو دين أو عقيدة معينة أمر لا بل "مرض" مُقزز تشمئز منه العقول والله؛ حيث إن من يعتقد أن طريقه الى الله يمر عبر الدماء والقتل لا يمكن أن يُعد من البشر قطعًا فالتطرف والإرهاب مرفوضٌ بكافة أشكاله وأطيافة وهذا ما أكد عليه القرار رقم 2249 الصادر عن مجلس الأمن والذي أكد بأن "|{الإرهاب بجميع أشكالة ومظاهرة يمثل أحد أشد الأخطار التي تهدد السلم والأمن الدوليين وأن أي عمل إرهابي هو عمل إجرامي لا يمكن تبريرة بغض النظر عن دوافعة وبصرف النظر عن توقيته أو هوية مرتكبيه}|" .. فكيف بالحُريّ لو كان ضد البشر و في بيت من بيوت الله أو دار من دور العبادة !!

إن العقلية الجرمية القادرة على الفتك بأرواح بشرية مسالمة ما هي إلا تجمع سامّ لأفكار تطرفيّة، ومع التفاصيل التي تظهر تباعًا عن الإرهابي منفذ مجزرة مسجدي نيوزيلندا وعن أفكاره وآيديولوجية الإرهاب التي تغذيه تَتَكشَّفُ لنا كمحللين وناقدين قانونيين وسياسيين حقائق هامة عن تفكير الإرهابي وتشكل الإيديولوجيا الإرهابية وانتشارها، وفي الحديث اليوم عن الإرهاب العالمي تتكشف أيضا أمامنا العديد من المفاهيم والمصطلحات الحديثة المُرعبة .. فكمختصين وباحثين نعلم وندرك بأنه حتى يتحول الإرهاب إلى ظاهرة فإنه يحتاج إلى أربع أعمدة للنهوض بها وهي (إيديولوجيا ، تمويل ، تنظيم ، وبيئة اجتماعية مساندة) وفي ظل ما جرى في السنوات القليلة الماضية بدول العالم الأول من عمليات إرهابية؛ لربما يُمكِنُنا القول بأن الإرهاب قد استكمل بناء أعمدته وأستوفى متطلباته وأدواته هناك .

فلو أخذنا واقعة نيوزيلندا كمثال واقعي نجد بأن الجاني والإرهابي قد قام ببث الحادث الأليم بشكل مباشر عبر تقنية (Live Broadcast) عبر موقعه الخاص ما يسمح لمليارات المشاهدين بمشاهدتها؛ ولعل الغاية وراء ذلك واضحة كعين الشمس في كبد السماء، فقد كان يهدف من هذا الفعل (البث المباشر) إلى إلهام الآخرين وتشجيعهم على تبني الآيديولوجيا والتحرك ضمن تنظيم غير هرمي ودون قيادة موحدة؛ - "وهذه قرينه لا تدع مجالًا للشك أو حتى الاجتهاد بالتفسير-"، بأن الجاني قد تحرك بدوافع شخصية لا تَجمُّعيّة ... فيكون من خلال عملية البث المباشر قد وَفرَ وبنى كافة الأركان التي أشرنا لها آنفًا وهي (الإيديولوجيا، والعمل على التنظيم، وتشجيع البيئة الاجتماعية المساندة من ذوي النفوس المريضة، وفتح المجال أمام الجماعات المُموّله)؛ وبالبناء على ما سبق من تحليلات علمية ممنهجة قائمة على أسس علمية وموضوعية فإننا نرى وبلغة قاطعة ومطلقة لا تدع مجالًا للشك أو الاجتهاد بالتفسير بأن هذا الحادث كان بدوافع شخصية – سواء كان صاحبة مختل عقليًا ام لا، فهذا لا يعنيني.

كما وأرى بأن هذه الفاجعة ستكون عبارة عن مقدمة لموجة إرهاب ستهز ضمير العالم وتنشر الرعب في حنايا قلوب السكان والمواطنين كافة؛ إن لم يتم تكاتف الجهود الدولية -حقيقيًا لا صوريًا -، لمواجهة ومكافحة كافة مظاهر وأشكال الفكر المتطرف والإرهاب أينما وجد، فعلى العالم اليوم أن يتكاتف أسوةً أخوةً يدًا بيّد لمواجهة جذور هذه الظاهرة، فعملية إلقاء المسؤولية على دين دون آخر أو جنس دون غيره لن تؤدي سوى لمزيد من العنف والتعصب، وفي النهاية الضحايا سيكونون من كل (لون وجنس وعرق ودين) من البشر.
ختامًا فإننا نصل بالبناء على ما سبق؛ إلى أن العنف (الإرهابي) ليس مرتبطًا بأصولية دينية أو أصولية سياسية، بل الأصولية عبارة عن حالة تصلب عقلي ربما تؤدي لعنف وربما لا، وأن الأصولية ربما تكون دينية وربما تكون سياسية أو فكرية أو عرقيّة، كما أن العنف ليس مرتبطًا بالأصولية وحدها، فمن الممكن أن يكون هناك تعصب للعرق أو اللون كما حدث مع هتلر حول الجنس الآري ونقاء العرق، أو كما حدث مع السود في أمريكا وجنوب أفريقيا، رغم أن هذه المجتمعات ليست دينية، كما أنها وصلت لأعلى الدرجات من التحضر والانفتاح وقبول للآخر. واليوم الحادثة الإرهابية في نيوزيلندا تؤكد قولي هذا، فالعصبية والعنف يمكن أن تحدث مع أي خلفية دينية كانت أو سياسية أو فكرية أو عرقيّة، فالتعصب والعنف والإرهاب أمور مرتبطة بأسباب عديدة وليست فقط محصورة في البعد الديني.

الرحمة والسلام لأرواح كافة من وافتهم المنيّة في هذا الحادث المؤلم وهم في دار ربهم؛ فانتقلوا من بيت الله مباشرةً إلى جنات الخلد؛ إن شاء الله.

وأتمنى من كافة المسيحين في أردننا الحبيب أن يرفعوا صلبانهم وينزلوا للشوارع ليتبرأوا من هذا العمل الجبان ومن قام به، وذلك بالتزامن مع عقد صلاة خاصة في كافة الكنائس المسيحية في أردننا الحبيب عن أرواح أخوتنا الشهداء.

حفظ الله أردننا شامخًا عزيزًا متلاحمًا بين كافة أطيافة في ظل حامل الراية جلالة الملك عبداالله الثاني –حفظه الله ورعاه- .


*كاتب وباحث القانوني
كلية الحقوق / جامعة اليرموك





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :