facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





من وحي المئوية .. الوحدة الأردنية الفلسطينية


د. جواد العناني
28-02-2021 12:02 AM

كثير من الأردنيين من شتى الأصول والمنابت لا يستوعبون ولا يحسون بقوة العلاقة بين الجانبين عبر التاريخ وبغض النظر عن الأصول العربية التي نسلت منها هذه القبيلة أو تلك، أو هذه العشيرة او تلك، سواء كان الأصل قيسياً أم حجازياً أم يمنياً، فإن أعداداً كبيرة انتقلت إبان الحكم العثماني من شرق النهر إلى غربه، أو العكس، وشكلت محافظتا الخليل ونابلس والناصرة مصدر الهجرة إلى الضفة الشرقية، ومناطق الجنوب في الأردن مصدر هجرة إلى الضفة الغربية.

وقد يضحك البعض مما جرى معي عام 1952 حينما أتيت مع والدي وإخوتي إلى عمان من محافظة الخليل لكي يعمل والدي أستاذاً للغة الانجليزية في الكلية العلمية الاسلامية، والتي كانت حينئذ في بدايات التدريس الثانوي. وقد لاحقني بعض صبيان الحارة بالحجارة صارخين «أنت يا فلسطيني قتلت الملك عبدالله»، فتوقفت مندهشاً وقلت لهم «أنا مش فلسطيني... أنا من محافظة الخليل». ولَم أكن أعرف معنى للفصل بين فلسطينيتي وأردنيتي.

ولعل أحد أسباب ذلك انني تذكرت لما كنت أفوز في مدرسة حلحول بجائزة بسبب تفوقي، كان بعض الطلبة يقولون لي «يا ولد يا مصري»، علماً أن اجدادي نزحوا من مصر أيامها قبل أكثر من مئة عام. وكانوا شيوخاً من خريجي الأزهر.

أما السبب الثاني فهي ذكرياتي عن عام 1948، حينما احتلت أجزاء من فلسطين باستثناء الضفة الغربية التي كنت أسكن فيها. وقد سَرَت إشاعة بعد خروج الإنجليز وانتهاء الانتداب البريطاني في فلسطين وإنشاء اسرائيل أن الجنود الإسرائيليين ينوون الانتقام من الخليل والقرى حولها من مذبحة اليهود في الخليل عام 1927. وحيث أن والدي كان يعمل أيامها أستاذاً في مدرسة الرشيدية، ومذيعاً في اذاعة الشرق الأولى، فقد قرر نقلنا مع بعض أقاربنا إلى بيت لحم، بحجة أن اليهود لن يرتكبوا أي مذابح هناك. وبالفعل، انتقلنا إلى بيت لحم، واستأجرنا غرفة في منزل يملكه تلحمي من أسرة.. الكرام.

وقد كان والدي يزورنا، ويحدثنا عن أمرين مهمين، الأول عن حرب ال (33) يوماً التي ابتدأت في أواخر شهر أيار (مايو) بين الجيش الأردني وعصابات الهاغانا وشتيرن اليهوديين في باب الواد دفاعاً عن القدس الشرقية. وقد كانت تلك بالفعل معركة بطولية خارقة قدّم فيها الجيش الأردني حوالي (120) شهيداً، وقُتل من الإسرائيليين حوالي (70) شخصاً، وهو أكبر عدد خسرته اسرائيل على الجيوش النظامية، ولكن القدس الشرقية والقدس الشريف أُنقذت من براثن الاحتلال. هذه الأخبار شكلت رافعة معنوية لنا لا تُقدر بثمن.

وقد وجدت قبل عام بين دفاتر والدي أحمد العناني مذكرات كتبها بين نهاية عام1948 حتى مطلع عام 1950، لفت نظري فيها حديثه عن انقطاع الرواتب لموظفي حكومة فلسطين بعدما تفككت حكومة فلسطين، بعد اسرائيل وبعد انتهاء الانتداب. وقد وصف والدي معاناته الشديدة في التنقل بين الدوائر في القدس والخليل لكي يسأل عن مصير الرواتب، ولكن الفرج كان دائماً يأتي من الأردن، حيث تصل بضعة آلاف من الجنيهات الفلسطينية لتوزع على الموظفين. ومع أن نصيبنا في ذلك الوقت لم يزد على ثلاثة جنيهات، إلا انها شكلت قيمة كبيرة في زمن كانت المقايضة فيه هي السمة الغالبة على التعامل في الأسواق.

والواقع أن جدي عبدالمحسن العناني وأولاده وأحفاده- وقد كنت أكبرهم- حصلوا على الجنسية الأردنية عام 1949، أي قبل الوحدة بين الضفتين. ولما صدر قانون الجنسية عام 1954 -كانت أسرة احمد العناني وأنا أكبر أبناء والدي وأحفاد جدي- قد انتقلت إلى عمان. ولما تحققت الوحدة بين الضفتين بفضل ذكاء الملك عبدالله وصموده أمام معارضة بعض الدول العربية آنذاك لتلك الوحدة، عمل والدي مذيعاً ومحرراً للأخبار في اذاعة المملكة الاردنية الهاشمية في القدس، علماً أن موقعها حينئذ كان في مدينة رام الله.

ولما وصلنا مدينة عمّان في شهر آب عام 1952، ودخلت الصف الرابع الابتدائي بالكلية العلمية الاسلامية استأجرنا بيتاً في منزل المرحوم مصطفى أبو راشد العطيات، وكان منصور باشا أبو راشد ما يزال في طفولته. ولقد عانت أمي من ذلك الانتقال، فهي ابنة عّم أبي ولكنها أمضت معظم حياتها في حيفا، حيث عمل والدها. وسبب نكدها أنها سعت دائماً للاستقرار، وأقنعت والدي ببناء بيت لنا في حلحول، وقد بناه المرحوم حمدي مراد موسى مراد والد الدكتور الشيخ حمدي مراد الشهير ب (أبو حمدي)، وكان من أهل غزة ولكنه عمل بعد 1948 في الخليل، وانتقل إلى عمان ليبني أسوار قصر رغدان ومنزل احدى زوجات جلالة الملك المؤسس عبدالله بن الحسين.

والدتي انتقلت إلى بيت صغير، والانتقال إلى عمان أشعرها بعدم الاستقرار، وَمِمَّا زاد من شعورها بالحزن العميق هو اضطرار والدي لإجراء عملية قَص لمعدته أودت بأكثر من نصفها، وقد رفض الأطباء سابقاً في القدس وقبرص أن يجروا العملية، حتى قَبِل بإجرائها طبيب أسمه «صهيون» في مستشفى السلط في شهر كانون الأول عام 1952. وبعد انتهاء العملية انفتقت ولَم يستطع الأطباء إخضاعه للبنج ثانية، فأجروا العملية له دون مخدر وتسببت في نزيف حاد له. واحتاج والدي إلى دم AB سالب. فقام الحاج حمدي الطباع بجمع طلاب صفه وهم سبعة، وساق بهم دون رخصة إلى مستشفى السلط حتى يتبرعوا لوالدي بالدم، وحصل منهم على الدم، وأُنقذت حياته بعدما اعتبره الأطباء ميتاً سريرياً.

وخرج من المستشفى وقد نبهه الدكتور الجراح إلى أنه لن يعيش أكثر من عشر سنوات. وبخروجه من المستشفى أنجبت أمي ابنتها الأولى بعد خمسة أولاد واستبشر أبي بمستشفى السلط وبأهل السلط، ونذر أن يقوم بتقديم دروس خصوصية باللغة الانجليزية مجاناً لمدة ثلاث سنوات، وكم من مرة صاحبته وهو يصعد درج السلالم، ويجوب شوارع الحارة، ليصل إلى بيوت الطلبة الذين كانوا يدرسون في أول وأقدم مدارس الأردن، وهي مدرسة السلط الثانوية.

لما حصلنا على الجنسية الأردنية عام 1949، كنت فخوراً بذلك، رغم صغر سني، ليس لعدم حبي لفلسطين، ولكن شعوري أنني صرت جزءاً من وطن أُحبّه، وَمِمَّا زادني فخراً أيامها أنني كنت أقول لنفسي «ها أنت بين عشية وضحاها قد صرت الجيل الثالث من أسرتك الذين يحملون الجنسية الأردنية. فقد حصل جدي وأبي وانا على الجنسية في يوم واحد، وهكذا كنت أنا الجيل الثالث، كانت قفزة نحو الإيمان، قفزة لوغارتمية، صرت بقرار أُخذ دقائق معدودات جيلاً ثالثاً أو ( 75) سنة من إرثي كأردني.

ولذلك لما كان يقال لي أنتم الفلسطينية عملتم كذا وكذا، لم يكن الأمر مفهوماً إليّ. فقد درست لمدة تسع سنوات في الكلية الاسلامية. ولَم أتذكر أنني فكرت يوماً في علاقاتي مع أبناء صفي أنني أردني أو فلسطيني. ولما عملت في البنك المركزي لمدة أحد عشر عاماً لم أشعر بالتمييز او بالهوية. كانت الهوية التي تجمعنا هوية أردنية عربية، خيمتها تسع الجميع، والكل يعرف تلك الخيمة بغض النظر عن مسقط رأسه، أو هويته. بالطبع كان هنالك شراكة لهم زيهم ونشاطهم ولغتهم. خاصة كبار السن منهم. وكم ركبت أحد باصات شركة المرحوم رجب الخشمان ولقيت فيها عجائز شركس يقولون «فاقوا» ولكننا كنا ننظر إليهم ونستمع منهم بفضول من يريدون أن يعرفهم أكثر، لا بفضول من يفكر في اختلافه عنهم ليمعن في تغريبهم.

وفِي أحداث عام 1970 كنت أدرس لشهادة الماجستير بجامعة «فاندرليت» بولاية تينسي في الولايات المتحدة. وعرضت علي الجامعة بعثة «دكتوراة» فوافقت. ولكن لما اندلعت أحداث أيلول صرت أشاهد المعارك بين شرق عمان وغربها على شاشات التلفزة الأميركية.

ولقد عشت وأهلي أيامها في الدور الثاني حيث كان بيتنا متعدد الطوابق يرى بسهولة. وحيث ان فرق التلفزة الأميركية التي تنقل الأحداث كانت مقيمة في فندق الإنتركونتيننتال، وتصوب عدساتها نحو الأشرفية والوحدات، فقد كان الرصاص بالاتجاهين يمر فوق بيتنا.

ولَم تتوفر أيامها اَي وسائل اتصال مع الأهل وانتهت الأحداث، ولَم يصل خبر عن أهلي، ولما مضى شهر قررت الانسحاب من الفصل الأول، ولَم يمض أيام حتى وصلتني رسالة من بيروت تعلمني ان أخي المرحوم عزام، والذي كان يعمل حينها مهندساً في الرياض، سافر إلى عمان، وأخذ اهلي بسيارة إلى بيروت، حيث كان اخي بسام يدرس الهندسة في الجامعة الأميركية.

وقد رويت القصة للمرحوم الراحل الملك الحسين في إحدى زياراتي إليه في مايو كلينيك، فنظر إلي نظرة عميقة وقال «والله يا أبو أحمد لو أن الطبقة الفلسطينية المتوسطة انحازت للمنظمات آنذاك لطال أمد الحرب، ولما عَلِم أحد بنتائجها»، وهي فكرة كررها علي جلالة الملك عبدالله الثاني.

قد تختلف أيام الشدة على الوظائف، أو على من يمثل مَنْ في مجلس النواب، أو على عدد الوزراء من هُنَا وهنالك. وقد نوجد أسراً لها شأن في الأردن عن أصولها من هنا أو هناك، ولكن الأمر الأهم أننا ما زلنا نتزوج من بعض، ونشارك بَعضُنَا بعضاً، ونسكن إلى جوار بَعضنَا بعضاً. وأي شيء أكثر من يأتمنك ابن وطنك على عياله وبيته وماله. هذا هو الأهم. توحدنا دائماً في الأزمات، وصفقنا لفريق الأردن بعد خناقه بين مشجعي الفيصلي والوحدات، أو الرمثا.

يروي الاقتصادي الهندي الحائز على جائزة نوبل (أمارتبا سين) في كتابه «الثقافة والهوية» الصادر عام 2010، أنه لما كان صغيراً في البنغال الهندية، عاش في قصر بسبب ثراء أسرته البراهمية. وفِي عام 1947 وبعد انقسام الهند، والبنغال، لحق مجموعة من الهندوس مسلماً بنغالياً ليقطعوه بسيوفهم وأسلحتهم الحادة. ولما وصل إلى بيت والد «أمارتيا» استنجد بهم ليسمحوا له بالدخول، ولكن الحراس.. حتى وصلت إليه فرقة المطاردة وقتلوه عند بوابة القصر. فجن جنون والده وسأل لماذا قتلتموه؟ فأجاب القتله «إنه مسلم.. نعم مسلم».

ويقول سين الذي شهد الواقعة، سألت نفسي لماذا عرف هؤلاء ضحيتهم بأنه مسلم.. لماذا لم يقولوا إنه إنسان، أو انه هندي، أو انه بنغالي؟ ولما كبر وجد الجواب وفسره. بأننا نعرف الناس بهوية تمكننا من اغتيال شخصيته، او تهميشه، أو حتى قتله.

إذا قتلت هذا الشخص فلسطيني، أو درزي، أو بهائي أو من البلد الفلاني، أو أنه يساري، فأنا أختصر هويته إلى الحجم الذي يجعلني اهاجمه. هذا الأسلوب التناقضي في تعريف الهوية، هو الذي ينخر.. في جسم الأمة.

الأردن بلد أصيل بأهله وبشعبه، فكل أردني هو أردني وإذا عرفناه كذلك فلن نعطي أنفسنا حق التطاول. والبحث عن هوية جادة كان دائماً مطلباً للهاشميين في هذا الوطن. ولنترفع عن الهويات الصغيرة وصغائرها، ولكن وطناً واحداً، شعباً واحداً، ويداً واحدة، حتى نحول التحديات إلى فرص.

(الرأي)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :