facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التحولات الاقتصادية العالمية والتكامل الإقليمي


صهيب بني حمد
08-02-2026 05:27 PM

* كيف تتأثر تجارة الأردن والمعابر وسلاسل الإمداد؟

أحيانًا ونحن نتابع الأخبار اليومية عن المعابر الحدودية ومنع دخول الشاحنات الاردنية لسوريا والعراق والاعتداء على سائقيها، أو الاعلانات عن الاستثمارات الإقليمية والاتفاقيات الجديدة، أو موضوع تحركات الدولار نشعر أن كل موضوع يُناقش وكأنه ملف منفصل، لكن الواقع أن كل هذه الملفات مرتبطة ببعضها أكثر مما نتخيل، فالاقتصاد العالمي يتغير، والمنطقة تعيد ترتيب نفسها اقتصاديًا، وفي المنتصف يوجد اقتصاد صغير ومفتوح مثل الاقتصاد الأردني، يتأثر بكل هذه التحولات حتى لو لم يكن جزءًا مباشرًا من صنعها.

وفي الوقت الذي يترقب فيه الشارع الأردني، سياسيًا واقتصاديًا، لحظة نضوج حقيقية لمفهوم التكامل الإقليمي مع دول الجوار، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد شعارات التعاون والانفتاح الاقتصادي. فالتكامل الإقليمي ليس مجرد فتح معابر أو توقيع مذكرات تفاهم، بل منظومة متكاملة تشمل الأمن الاقتصادي، وسلاسل الإمداد، والتكامل اللوجستي، والسياسات النقدية، وحماية المصالح الوطنية في بيئة دولية شديدة التقلب.

اليوم، لم يعد الحديث عن التكامل ترفًا سياسيًا أو شعارًا اقتصاديًا، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات السريعة في النظام الاقتصادي العالمي. والدول التي تنجح اليوم ليست بالضرورة الأكبر حجمًا أو الأكثر مواردًا، بل الأكثر قدرة على قراءة التحولات العالمية، وترجمتها إلى سياسات إقليمية ذكية، ثم تحويلها إلى مكاسب وطنية ملموسة.

ولفهم موقع الأردن اليوم داخل هذه المعادلة، يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة مستويات مترابطة: الإطار العالمي، والإطار الإقليمي، والإطار الوطني المحلي.

على المستوى العالمي، تظهر توجهات داخل الولايات المتحدة نحو تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية، بما في ذلك سياسات نقدية قد تسمح بضعف نسبي في قيمة الدولار لتعزيز الطلب العالمي على المنتجات الأمريكية. هذه الاستراتيجيات قد تكون مفيدة للاقتصاد الأمريكي، لكنها تخلق تحديات مركبة للدول المرتبطة عملاتها بالدولار. بالنسبة للأردن، ارتباط الدينار بالدولار يوفر استقرارًا نقديًا مهمًا، لكنه في الوقت نفسه يجعل الاقتصاد المحلي يتأثر مباشرة بأي تحولات في قيمة الدولار عالميًا، سواء عبر تغير كلف التجارة الخارجية أو تقلبات أسعار السلع العالمية. كمثال مبسط، إذا تحرك سعر صرف اليورو مقابل الدولار من مستويات تقارب 1.10 إلى 1.30، فإن ذلك يرفع كلفة الاستيراد الأوروبي على الدول المرتبطة بالدولار، ويؤثر على التضخم المستورد وكلفة المشاريع والآلات والمواد القادمة من أوروبا. ومع اعتماد الأردن الكبير على الاستيراد الصناعي، فإن مثل هذه التحركات لا تبقى أرقامًا على الشاشات، بل تتحول مباشرة إلى ضغط على الأسعار والنمو الاقتصادي. التحدي الحقيقي هنا ليس في توقع اتجاهات الاقتصاد العالمي فقط، بل في مدى جاهزية صانع القرار لبناء سيناريوهات استجابة استباقية، بدل الاكتفاء بردود الفعل بعد حدوث الصدمة الاقتصادي.

إقليميًا، المشكلة لم تعد فقط في غياب التكامل، بل أحيانًا في غياب الفهم العميق له كأداة استراتيجية وبالتالي تفويت فرصة الاستفادة منه. المنطقة اليوم تشهد إعادة تشكيل لشبكات التعاون الاقتصادي، خصوصًا مع توجهات واضحة للبحث عن فرص استثمارية جديدة في إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة داخل سوريا. في هذا السياق، كان يمكن للأردن أن يكون منصة لوجستية ومالية طبيعية لهذه الاستثمارات بحكم الموقع والبنية التحتية والعلاقات السياسية، لكن بطء التحرك أو الاكتفاء بدور المراقب يعني عمليًا تفويت فرص أن يكون الأردن جزءًا من سلسلة القيمة بدل أن يبقى ممرًا جغرافيًا فقط. التاريخ الاقتصادي يثبت أن الدول التي تدخل مبكرًا في مشاريع التكامل الاقليمي وإعادة الإعمار تبني نفوذًا اقتصاديًا يمتد لعقود، وليس لسنوات فقط.

أما محليًا، فيظهر أحيانًا اختلال في ترتيب الأولويات بين الملفات الإنسانية والشعبية من جهة، والملفات الاقتصادية الاستراتيجية من جهة أخرى. على سبيل المثال موضوع تسهيل حركة الأفراد عبر المعابر خطوة إنسانية وسياسية مهمة بلا شك واخذت الكثير من الاهتمام والانتباه من قبل وزراء خارجية وداخلية ومسؤولين رسميين، لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية في الاقتصادات الصغيرة والمفتوحة مثل الأردن تأتي من حركة البضائع والسلع وليس فقط من حركة الأشخاص وهو ما لم نلاحظ انه يحظى باهتمام كافي حتى الآن. رغم أن الشاحنة الواحدة قد تحمل قيمة اقتصادية تعادل مئات المسافرين من حيث التأثير على الناتج المحلي وسلاسل التوريد وفرص العمل. أي قيود على حركة الشحن سواء عبر أنظمة Back-to-Back أو قيود عبور تعني ارتفاع كلف النقل، وارتفاع في الأسعار وانخفاض تنافسية المنتج الأردني، وضغطًا مباشرًا على قطاع يعتمد عليه جزء كبير من النشاط التجاري والصناعي.

الفكرة الأساسية ليست أن الأردن يفتقد الفرص، بل أن المنافسة العالمية والإقليمية أصبحت أسرع. اليوم، الجغرافيا وحدها لم تعد كافية، هناك دول تستثمر مليارات في اللوجستيات والموانئ والمناطق الصناعية في قارات أخرى لتصنع لنفسها دورًا داخل سلاسل التوريد العالمية. في المقابل، الدول التي لا تتحرك بسرعة قد تجد أن دورها الجغرافي يتم تجاوزه عبر مسارات جديدة أو شراكات مباشرة بين دول أخرى.

جوهر التحدي اليوم لا يتعلق بقدرة الأردن على الدخول في منظومات التكامل الإقليمي، بل بقدرته على تعريف دوره داخلها قبل أن يتم تعريف هذا الدور من قبل الآخرين. ففي عالم يعاد رسم خرائطه الاقتصادية بسرعة، الدول التي تتعامل مع التكامل الإقليمي كملف علاقات عامة تخسر بصمت، بينما الدول التي تديره كملف مصالح استراتيجية تبني نفوذًا اقتصاديًا طويل المدى. والسؤال الذي سيحدد موقع الأردن خلال العقد القادم ليس: هل نريد أن نكون جزءًا من التكامل الإقليمي؟ بل: هل نريد أن نكون صناعًا له… أم مجرد ممر داخله؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :