يوم الوفاء والبيعة: حين تتحول الذكرى إلى عقد وطني متجدد
صالح الشرّاب العبادي
08-02-2026 06:36 PM
في دولٍ كثيرة، تمرّ المناسبات السياسية بوصفها طقوسًا شكلية، تُستعاد فيها الخطب ذاتها، وتُكرَّر المفردات نفسها حتى تفقد معناها.
لكن يوم الوفاء والبيعة في الأردن لا يُقرأ بهذه السطحية؛ فهو ليس ذكرى، بل موقف دولة، ولا احتفالًا، بل إعادة تثبيت لمعنى الشرعية والاستمرارية في إقليم يتغيّر بعنف.
هذا اليوم لا يُستدعى من باب العاطفة وحدها، ولا من باب البروتوكول، بل من باب الحاجة السياسية والرمزية معًا:
الحاجة إلى أن تتذكّر الدولة كيف وُلدت، وكيف استمرّت، ولماذا لم تمتحن .
حين يستحضر الأردنيون ذكرى الملك الحسين بن طلال رحمه الله ، فإنهم لا يستحضرون سيرة حاكم فقط، بل مرحلة تأسيسية كاملة:
مرحلة بُنيت فيها الدولة في بيئة إقليمية عدائية، وجرى فيها تحويل الجغرافيا المحدودة إلى كيان سياسي معترف به، وقادر على البقاء.
الوفاء هنا ليس حنينًا، بل إقرارٌ بأن الدولة الأردنية لم تُصنع بالصدفة، وأن الاستقرار لم يكن يومًا مجانيًا.
هو وفاء لمنطق الدولة، لا لشخص الحاكم فقط، وفاء لفكرة أن الحكم في الأردن لم يكن انقلابًا على المجتمع، بل تعبيرًا عنه.
أما البيعة، فهي ليست إجراءً شكليًا ولا إعلان ولاء تقليدي.
في السياق الأردني، البيعة فعل سياسي معاصر، يتجدّد لأنه يُختبَر يوميًا.
تجديد البيعة لـ الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظه الله، يعني القبول بمسار، لا بشخص فقط ، مسار الحفاظ على الدولة وسط أعاصير الإقليم، ومسار إدارة التوازن بين الداخل المرهق والخارج المضطرب، ومسار الدفاع عن المصالح الوطنية دون مغامرات عبثية.
البيعة في الأردن ليست صمتًا عن التحديات، بل تفويضٌ واعٍ لإدارتها.
هذه المناسبة تجمع بين ثلاث طبقات نادرة في السياسة العربية : شرعية تاريخية غير مصطنعة، شرعية دستورية واضحة المعالم ، وشرعية شعبية تتجدّد بالقبول لا بالإكراه.
ولهذا ظلّ الأردن، رغم الضغوط الاقتصادية والسياسية، خارج منطق الانهيار، وخارج دوّامة الدول التي تغيّر أنظمتها كل عقد، ولا تغيّر واقعها.
هنا لابد ان نقول ، بينما تشهد المنطقة دولًا سقطت لأن شرعيتها انقطعت ، أنظمة انهارت لأن العلاقة مع شعوبها انكسرت ، وكيانات تآكلت لأن الحكم لم يفهم معنى الدولة، يأتي يوم الوفاء والبيعة ليقول بهدوء:
الدولة التي تعرف كيف تنتقل لا تسقط، والدولة التي تجدّد عقدها مع شعبها لا تُختطف.
المناسبة ليست احتفالًا فقط … بل هي مراجعة صامتة ، القيمة الحقيقية لهذه المناسبة أنها لا تطلب التصفيق، بل تفرض السؤال:
كيف نحافظ على الدولة؟
كيف نُصلح دون أن نتراجع ؟
كيف نتقدم دون أن نتجاوز ؟
وكيف نُحدث دون أن نحافظ على قيمنا وحضارتنا وثقافتنا..
هنا، يتحول يوم الوفاء والبيعة من ذكرى إلى ميزان وطني، تُقاس به علاقة السلطة بالمجتمع، والتي تنعكس على علاقة المجتمع بالدولة.
يوم الوفاء والبيعة في الأردن ليس حدثًا يُحكى، بل معنى يُمارَس.
هو رسالة بأن الشرعية ليست ماضياً يُستدعى، بل حاضرًا يُدار، ومستقبلًا يُصان.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الدول المؤقتة،
يذكّرنا هذا اليوم بأن الأردن دولة تعرف كيف تستمر… لأن الوفاء فيها ليس شعارًا، والبيعة ليست طقسًا، بل خيارًا وطنيًا واعيًا ، يستمر بحكمة قيادته ، ووعي ولُحمة شعبه ، وقوة إرادته ، وثبات مواقفه ، واستمرارية صموده ، وعدالة قراراته ، وبالتالي صياغة مستقبله بثقة وعزيمة..