facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مئوية النهضة .. وعيًا وتأسيسًا وإنجازًا


أ.د. خليل الرفوع
12-04-2021 09:19 AM

إنها مئوية النهضة الفكرية والمادية معًا،  بدأت مع تأسيس الدولة الأردنية سنة ١٩٢١م، بعد أن خاض الأردنيون سنينَ من الرفض والتمرد على الأتراك الاتحاديين الذين عزلوا الخليفة عبدالحميد الثاني واغتصبوا الخلافة العثمانية واتبعوا سياسة التتريك وإعدام أحرار العرب في ساحات دمشق والقدس وبيروت، وطال الأردنيين من سياساتهم قتلُ ثلة من قادة القبائل غيلةً بالسم أو إعداما على أعواد المشانق،ولقد شهدَ الأردن شمالا ووسطًا وجنوبًا  سلسلةً من الثورات في أواخر القرن التاسعَ عشرَ وبدايات القرن العشرين توجت بالمشاركة في الثورة العربية الكبرى التي كان الأردنيون سيوفها وبارودها وجمرها بعد أن بايعوا شريف مكة وأبناءه على الثورة والوفاء والشهادة، وكانوا حينها الصادقين بيعةً وولاءً وإقدامًا .
    
لم يكن الأردن معبرًا للحضارات أو بوابة مفتوحة للعابرين ؛ بل كان مقرا حقيقيا لنشوء الحضارات واستقرارها وتمددها ورقيِّها ، فالأدوميون والمؤابيون والعمونيون والأنباط والروم والغساسنة بنَوا حضاراتهم في الأردن ، والقبائل اليمانية التي انتقلت إليه قبل الإسلام وبعده أسهمت في الحضارة العربية الإسلامية إلى يومنا هذا ، فبترا وبصيرا وعمان وجرش وجدارا وأربيلا وبيت رأس وأيلة والبلقاء ومؤتة والربةوالحُمَيْمَة لم تكن على هامش التاريخ وحواشي الجغرافيا ، بل كان لها نصيبٌ في نشأة الحضارات وصيرورتها  ، ولقد كان لقرب هذه الحواضر جميعا من دمشق عاصمة الدولة العربية الأموية العالمية دور مؤسس في تشكيل مقومات الدولة العربية أو الخلافة ، وهل كان لبني أمية القرشيين المُضَريّين العدنانيين أن ينشئوا خلافةً لولا مساندةُ القبائل اليمانية القحطانية  في بلاد الشام وفي قلبها القبائل الأردنية آنذاك ، إننا بحاجة إلى إعادة قراءة التاريخ كي نضع الأحداث في مساراتها والإنجازات في مداراتها ، والأردن كذلك موطن الحضارات من قبلُ ومن بعدُ ، وهو الذي كان ملتقى حضارات بلاء الرافدين والشام ومصر والجزيرة العربية ، إن أشهر معركتين في تاريخ الأرض الأردنية -  مؤتة واليرموك - جعل من أرض الأردن صانعة لفنون النصر والشهادة، فلا غرابة أن يبايع الأردنيون أشراف مكة على إحياة فكرة الدولة العربية، فكان الوقوفُ والتضحية مع الهاشميين حالةَ وعي لم تتضعضعْ، وعُهْدةً مُتَوَارَثة لن تُنْقَض ، وإنها لكذلك.
     
إنّ تأسيس الدولة الأردنية الحديثة عام ١٩٢١م، كان حلقة من سلسلة حضارية متواصلة ممتدة للأردنيين لم تتوقف، فلقد كان ثمة وعيٌ ديني وسياسي وقومي تمخض عنه وقوفٌ مع الشرعية الدينية والجرأة الثورية التي يمثلهما الشريف الحسين بن علي وأبناؤه، فكان التوافق على بناء الدولة هدفًا مشروعًا بالحكمة بدلا من التشتت القبلي الجهوي الذي أنتج حكوماتٍ أردنيةً متنازِعةً قبيل التأسيس، لكن  السؤال الذي ينبغي أن يُسْأل منذ مئة عام، لو لم يقم الأردنيون بالمشاركة في الثورة فأين هم الآن؟ أفي هوامش الدولة التركية العلمانية القومية، أم في دائرة الاحتلال الصهيوني، أم مقسّمون بين الدول العربية المحيطة، وفي كل الاحتمالات يبقى المسار الواقعي التاريخي الذي سار فيه الأردنيون هو خيارهم الحتمي الصحيح بناء على معطيات الأحداث في تلك الحقبة التي تكاثرت فيها الاجتهادات والمطامع والمؤامرات ؛ فكان التحرر والاستقلال هدفين نبيلينِ لمن بايعوا الأمير عبدالله بن الحسين رحمه الله أميرًا ثم ملكًا ليكون الأردن دولة معاصرة ؛ كان التعليم فيها مفتاح التأسيس والبناء والتطور ، وفي تلك السياقات لا يتحمل الأردنيون تبعات مغامرات الانقلابيين ومؤامرات الثوريين وما لحق بالأمة من انكسارات وهزائم.
      
إن تأمل مئة عام من النهضة  يفضي إلى الإقرار بنجاح الدولة في الاستقرار وتوالي الإنجازات والمحافظة على الهوية الوطنية والدفاع عن القضايا القومية قولًا وتضحية، فخلال المئوية كانت الدولة منذورة للأمة، وكانت فلسطين بؤرة الاهتمام السياسي والعسكري وفي أرضها استشهد أردنيون حبًّا وكرامةً، وما زالت الوصاية على المقدسات عهدة هاشمية مقدسة.
 
إن المقارنة بين أربعة قرون من الحكم التركي الإقطاعي وبين قرن من الحكم الوطني هي مقارنة بين زمنين متنافرين في الوسيلة والغاية والإنجاز :  بين سياسة التجهيل والبطش والقتل والإعدام، وبين سياسة التعليم والبناء والتنمية والمشاركة السياسية، ولقد بُدِئَ ببناء الأردن من انهيار متوالٍ  شامل عبر أربعة قرون في : البنية التحتية والفكرية حيث انتشار الأمية والغزو والأتوات (الخاوات)  والسُّخرة والفقر والأوبئة والقضاء العشائري الذي لا علاقة له بالدين، فلم يترك الأتراك عبر حكمهم أي أثر حضاري مادي أو فكري يُبْنَى عليه ؛ فما كان يهمهم من رعايا الدولة ثلاثة أمور  هي : الدعاء للسلطان وتحصيل الضرائب والتجنيد الإجباري، فلا مدارس أو مساجد أو مستشفيات أو طرقا للمواصلات أو صحافة...؛ حتى وجودهم العسكري انحصر في القلاع التي لم يسهموا هم في بنائها أصلا، أو في سرايا عسكرية معزولة عن الناس، وكانت غاية الدولة تأمين قوافل الحج الشامي بإقامة الحصون والبِرك وتسيير الدوريات العسكرية المرافقة لها، ودفع الصُّرة السلطانية لشيوخ القبائل نظير حماية تلك القوافل من اعتداءات البدو أثناء مرورها، ومن هنا نستطيع القول : إن لحظة تأسيس الدولة الأردنية كانت بداية نهضة  علمية فارقة في مجالات الحياة كافة بعد أن توقف الزمن على الأرض الأردنية أربعة قرون.
  
ولقد شهد الأردن خلال مئة عام استقرارا سياسيا متتابعا في نظام الحكم لم ينقطع، وتناميا معرفيا في مكونات المجتمع، أحدث نتائج إيجابيةً عنوانها : نهضة عارمة شاملة في مفاصل الدولة وقطاعات الإنتاج والبنى العقلية، وكان الإنسان محور اهتمام الدولة تعليما وتنميةً وتشريعا وإدارة، وأنتج ذلك كلُّه وعيًا شعبيا عاما بأن الأردن: دولة أُسِّسَتْ لتبقى عصيةً على الانكسار أو الاندثار  .
    
إن إجماع الأردنيبن - باختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسة- على مؤسستي العرش والجيش كان ملمحا متجذرا في المئوية الأولى كان من نتائجه  بناء الدولة بمؤسساتها وجيشها بأجهزته المختلفة وأنظمتها السياسية والتعليمية والصحية والاقتصادية،  فكان بناءً يرتكز خلال مئة عام على دعائمَ ثلاث: الأمن ، والتعليم ، والولاء للدولة نظامًا وأرضًا وتاريخًا.
    
إن الوقوف على مشارف المئوية الأولى صعودا إلى مدارج المئوية الثانية يتطلب مراجعات متوالية عبر مؤتمرات وطنية حوارية جذرية تبحث في تفاصيل عناوين مهمة : كالحرية السياسية واستقرار قوانين الانتخابات والأحزاب، ومزيد من الحرية في العمل النقابي والصحفي  والإعلامي الرسمي وتطبيق مفهوم الولاية العامة واستقلالية السلطات الثلاث وغيرها، ثم إن تجربة مئة عام تحتاج تقييمًا وتقويما ؛ فادعاء المثالية المطلقة ضرب من الوهم اللاعقلاني ، وامتلاك الدولة رؤية استراتيجة للمستقبل ضرورة يقتضيها تطور الوعي وجدلية العلاقات الدولية المكشوفة في زمن ما بعد العولمة والرقْمنة، البناءُ على ما تحقق وليس هدمه غايةُ كل عاقل منتمٍ محب لوطنه.
 
إن ما تحقق في مئوية الدولة من منجزات حضارية شاهد على انتماء الأردنيين لأمتهم ووطنهم وقيادتهم ، وهو كذلك حرص مؤصّل على الاستمرار في خطى البناء والتنمية بعقلنة النقد وصرامة العمل في ظلال الحرية والعدالة والمحاسبة .

* أستاذ الأدب العربي في جامعة مؤتة





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :