facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة





ثمانيةٌ .. والعمرُ يمضي دونك


د. هيا الحوراني
30-11-2022 10:08 AM

ليْتكَ يا تشرينُ لا تأتي ولا تعود؛ وأنت تنكأُ جرحًا حسِبْتُ أنّي سأحتملُ وجعه، وتوقِدُ جمرًا أيقنْتُ أنّي لا أُطيق احتراقه، فمنذُ يومِكَ الأول خبّأتَ عنّي ما انطوى عليه يومُك الأخير. في ذكرى رحيل أبي الأولى ضاقَ بي الصّبرُ والزّمان، وبحثتُ عنه علّي أرى الوجه البهيّ، أدور وأدور وأدور... ياااه.. مرّت سنة. وها هي الثّامنةُ يا أبي، وما زلتَ وجعي الذي لا يخفُّ، ونزْفَ غيابٍ يسقيني مرارَته.. فلا أفراح تُغريني، ولا أيَّ جمْعٍ لسْتَ فيه يرويني؛ وأنا لا أرى سراج البيت..

أشتاقُ جدًا إليك، وأحتاجك عندَ الصواب وحين الخطأ، أتلفّتُ حولي ألتمسُ وجودَك عند الشك وفي ساعة اليقين، ليس لي إلّاك عند الرّشد ولا ملجأ إلاّ أنت وأنا أتوه فيما خبرْتَ أنتَ من الدروب؛ فأنت نوري الساطع، وناري المؤنسة، وقبسُ هداي. في البيت، أجلسُ حيثُ كنتَ تجلس ومنايَ أنْ أسمعَ صوتك مهلِّيًا بي ومرحّبًا، فأعود منك إليّ وزوّادتي: كان أبي وكان أبي وكان.. بغيابك بِتُّ أرقبُ الموتَ الذي ظلّ أثره -رغم كثرته- حاضرًا؛ يصيبُ وجعي بفقدك، ويُحيي ألماً عاش بموتك وما مات. وتمضي السّنينُ بظلمها وظلمتها وظلامها.. كيف سيمرُّ باقي العمر دونك يا أبي وقد:
"غبتَ عنّي! هل غبتَ عنّي؟ هذا
طيْفُك الحيُّ بيننا يتحرّكْ"

أعيش الآن حسرةً فيها "يبدّل الحبّ دارا"، وأبكي ديارًا "كانت قديماً ديارًا"، وما حُرقتي وبكائي إلاّ أنها "سترانا كما نراها قفارا". يقتلني الظمأ فأبحث عنك لأرتوي فأَشْرَقُ بذكرياتي معك؛ تجلسُ صيفًا في "البرندة الفوقا" وتطول أحاديثك مع "أبو معوّد"، نجتمع حولك في "الغرفة الشرقيّة" شتاء وبيننا مناظرةٌ شعريّةٌ واختبارٌ لحفظنا جداولَ الضرب، يتهادى صوتُك مناديًا أمي لتسرعَ في إحضار "القِرفة" لمزيد من الدفء، وما زالت أمي -ريحانة القلب وسنديانة العمر- تُعدّ لنا ما يمدّنا بالدفء لأنها تعرفُ مقدارَ البرد الذي أصابنا بغيابك، فبقي غصّةً في القلب، ودمعةً حرّى. يعيدني من هناك 30 تشرين الثاني ويخبرني أنّ:
"ما كانَ كان..
لقد كبرنا،
مثلَ عشبٍ واحترقْ..
سلّةُ الألعاب ما عادت سلالَ البرتقالْ
قد صارت الجدوى سلالَ الهمِّ والصبرِ الجميلْ
صارت الذكرى بأيدينا تسيلْ"

و"الشيخ أحمد" يا أبي.. أكادُ أسمعُ صوتَ اشتياقه إليك، في قلبه لوعةٌ لا تنطفي، ولسانُه في أيّ حديث لا يخلو من "على قولة أبوي الله يرحمه"، و"ظل رحمة أبوي.."، وكأنّك تسكنُ جوارحَه كلَّها فلا تفارقه. لأجله أتمنّى لو أملك ردًّا على شاعر بدوي قال في مدح الكريم: "ألا يا ليتْ ربي يوم سوّا عبيده، حطّْ للطيِّبْ علامة"، لأخبره أنّ لأبي ومن أبي علامة بل علامات؛ فهذا أحمد يا "أبو زيد" يُحيي ما حرصتَ أنْ تغرسَه فينا، يُديمُ وصْلَ من أحببتَ وأحبّك، ويصرّ أنْ يخصّ "أبو إبراهيم الدقاق" بالطعام لأنه كان يخصّك ويؤثرك به.. وها هو "أبو إبراهيم" يملّ زيفَ الدّنيا وهوانَ الواجب على الناس فيغادرها في تشرين أيضًا لتجتمعا في عالَمٍ يأْنَفُ عالمنا، وتجتمع ابنتك فاطمة وابنته رانيا بكاءً في ذكرى الفقد والألم.

وفي الليالي الموحشات أناجيك شوقًا إليك، وأخلعُ في حضرة غيابك ثوبَ صبرٍ أتستّر به، لا أطيقُ الفقْدَ أكثر وحاجتي إليك تزداد يومًا بعد يوم، ومع أنك كنت دائمًا تقول: "إنْ مات أبوي ملكت أمري"، فإنّي بموتك لا أملكُ إلاّ حزني عليك.. وأنتَ من كنتَ تشتري خاطري فلا أهونُ عليكَ ولو أخطأت، أسيرُ في الطرقات المتعرِّجة مستقيمةً بهداك.. تُبدِلُني الخوفَ أمْنًا، والموتَ القاسي حياة. أمّا أنا فليس لي إلاّ أنْ أبكيك عمرًا،
"وأحملُ فيك الحزنَ حيًّا فإنْ أمتْ وألْقَكَ لم أسلكْ طريقًا إلى الحزنِ"





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :