العالم بعد تراجع زيلينسكي .. ما الذي يُرسم في الخفاء؟!
محمود الدباس - أبو الليث
05-03-2025 02:02 PM
ما حدث في المكتب البيضاوي بين ترامب وزيلينسكي لم يكن مجرد مشادة كلامية.. بل كان كشفاً علنياً لمعادلة القوة الحقيقية في العالم اليوم.. حين رفض زيلينسكي خلال اللقاء الموافقة على اتفاقية المعادن الثمينة.. جاءه الرد من ترامب بشكل قاطع ومباشر "أنت لست في وضع يسمح لك أن تقول نعم أو لا".. كلمات كانت بمثابة صدمة ليس فقط للرئيس الأوكراني بل لكل من تابع المشهد من قريب أو بعيد.. لكن زيلينسكي أصر على موقفه حينها مُستنداً إلى كونه رئيساً منتخباً وإلى موجة الدعم الأوروبي التي أيدت موقفه بعد اللقاء.. حيث خرجت تصريحات من عدة دول أوروبية مرحبة برفضه للاتفاقية.. وكأنه اختبار لقدرة أوكرانيا على اتخاذ قرار مستقل.. بعيداً عن التأثير الأمريكي المباشر..
في تلك اللحظات.. بدا المشهد وكأن أوكرانيا قد تجاوزت الخطوط الحمراء.. البعض اعتقد أن هذا الرفض قد يشكل سابقة جديدة.. وأن أوروبا ربما تستغل هذه اللحظة لفرض توازن أكبر في علاقتها مع واشنطن.. لكن في الكواليس.. كانت هناك تساؤلات أكثر عمقاً.. هل تملك أوكرانيا حقاً القدرة على الصمود أمام أي رد فعل أمريكي؟!.. وهل أوروبا نفسها مستعدة لدفع ثمن موقفها في حال تصاعد الضغط الأمريكي؟!..
لكن ما لم يدركه زيلينسكي حينها.. أو ربما أدركه متأخراً.. أن هذا التأييد الأوروبي.. لم يكن سوى صوت بلا تأثير حقيقي.. لم يكن كافياً لسد الفراغ الذي يمكن أن تتركه أمريكا.. إن قررت سحب دعمها.. وبعد أيام من الصمود المعلن.. جاء التراجع الصادم.. حيث وافق زيلينسكي على الاتفاقية.. وكأن المشهد السابق.. لم يكن سوى لحظة استعراض زائلة.. هذا التراجع.. لم يكن مجرد تغيير في موقف رئيس دولة.. بل كان رسالة قاسية لكل من ظن.. أن أوروبا قد تكون بديلاً عن أمريكا في حماية حلفائها.. رسالة تؤكد.. أن اليد العليا في أي تفاوض.. لا تزال في واشنطن.. وأن من يعتقد أن بإمكانه تحدي الإرادة الأمريكية دون تبعات.. فهو واهم..
الجماهير التي استبشرت بموقف زيلينسكي في البداية.. وجدت نفسها في حالة خذلان وإحباط.. كأنما أُعيد تذكيرها بالحقيقة.. التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها.. لا مناص من أمريكا وهيمنتها.. وكأن العالم تلقى درساً قاسياً.. بأن محاولة التمرد على واشنطن.. قد تكون مجرد وهم عابر.. البعض حتى تمنّى لو أن زيلينسكي لم يعترض أصلاً.. لأن التراجع لاحقاً.. جعله يظهر بمظهر الأضعف.. بدلاً من أن يكون هناك بصيص أمل.. بأن أوروبا قد تكون قوة قادرة على كبح النفوذ الأمريكي.. جاءت النتيجة عكسية تماماً.. لتكشف القارة العجوز عن حقيقتها.. مجرد تابع آخر في النظام الذي تديره أمريكا.. بلا منافس حقيقي..
هذا الحدث.. وإن بدا في ظاهره شأناً أوكرانياً أمريكياً.. إلا أن أبعاده تتجاوز ذلك بكثير.. فقد ثبت أن الولايات المتحدة.. ليست فقط صاحبة الكلمة العليا في المفاوضات مع أوكرانيا.. بل هي أيضاً.. التي تملك مفاتيح استمرار الحرب.. أو إيقافها.. وإذا كانت قادرة على فرض قراراتها بهذه الطريقة العلنية على زيلينسكي.. فمن السهل تخيل.. كيف يمكنها فرض شروطها على روسيا في أي لحظة تجدها مناسبة.. وهو ما يفتح الباب أمام تحولات خطيرة في المشهد الدولي.. خاصة فيما يتعلق بعلاقة موسكو مع الصين.. وكوريا الشمالية.. وإيران.. وكذلك موقفها من دعم مجموعة بريكس.. الساعية إلى تقليص الهيمنة الأمريكية..
والأهم من ذلك.. أن موسكو قد ترى في هذا الحدث دليلاً جديداً على ضرورة تعزيز تحالفاتها مع بكين أكثر من أي وقت مضى.. فحين ترى الصين كيف يتم التعامل مع زيلينسكي.. وهي التي تستعد لمواجهة أكبر مع واشنطن حول تايوان.. فقد يكون هذا التراجع الأوكراني.. رسالة تحذير صامتة لبكين.. بأن أي مواجهة مع واشنطن.. لن تترك لها خيارات كثيرة.. وهذا بحد ذاته.. قد يدفع الصين إلى تسريع خطواتها نحو تقليل الاعتماد على الدولار.. وبناء تحالفات أعمق مع روسيا.. وإيران.. وكوريا الشمالية.. مما قد يجعل الصراع الدولي أكثر تعقيداً مما هو عليه الآن..
لكن السؤال الأهم هنا.. إذا كان هذا هو الأسلوب.. الذي تتعامل به واشنطن مع أقرب حلفائها.. فكيف ستتعامل مع الدول.. التي لا تعتبرها شريكة أساسية؟!.. هذا هو الدرس الذي يجب أن تستوعبه الدول العربية جيداً.. الإدارة الأمريكية اليوم.. ليست كما كانت في السابق.. لم تعد تقدم حمايتها مجاناً.. ولم تعد تتسامح مع أي محاولة للخروج عن خططها الاستراتيجية.. وبالتالي.. فإن أي رهان على أن أمريكا قد تتراجع عن سياساتها بسهولة.. هو رهان خاسر..
لكن في المقابل.. هل يعني هذا.. أن العرب محكوم عليهم بالبقاء تحت الهيمنة الأمريكية دون بدائل؟!.. بالطبع لا.. ما زال الأفق العربي قادراً على أن يكون أكثر إشراقاً.. لو تم التوافق فيما بين الدول العربية.. على استراتيجيات مشتركة.. لو أدركت العواصم العربية.. أن الحل ليس في انتظار إشارات من واشنطن.. بل في بناء قوة سياسية واقتصادية.. تجعل الموقف العربي متماسكاً.. في مواجهة أي تحول مفاجئ.. في السياسات الأمريكية.. العالم يتغير بسرعة.. والسؤال الآن.. هل سيبقى العرب مجرد متفرجين على هذه التحولات.. أم أنهم سيتحركون ليكونوا جزءاً من إعادة رسم الخارطة السياسية.. والاقتصادية ليس للعالم.. بل للمنطقة على الأقل؟!..