طلال… حين يبدأ الكلام من العزاء
كابتن أسامة شقمان
04-02-2026 09:37 AM
مساء الأمس، وفي مجلس عزاء يثقله الصمت أكثر مما تملؤه الكلمات، صافحتُ الكابتن عماد حجازي. لم تكن المصافحة عادية؛ كانت مصافحة رجلٍ فقد شيئًا لا يمكن تعويضه، ولا يمكن حتى التعبير عنه. في عينيه لم يكن هناك خوف، ولا غضب، بل وجع عميق، يشبه الفراغ الذي يتركه الغياب حين لا يكون الغائب مجرد شخص، بل حلمًا كاملًا كان يُحضَّر له بصبر السنين.
الكابتن عماد حجازي ليس رجلًا عاديًا في علاقته بالحياة. هو ابن مهنة تعرف معنى الخطر الحقيقي، وتعرف أن الحياة لا تُدار بالارتجال. أربعون عامًا وأكثر قضاها وهو يؤمن أن النظام ليس ترفًا، وأن الالتزام ليس خيارًا، بل شرطًا للبقاء. كل تلك القيم لم تكن حبيسة قمرة القيادة، بل زرعها في بيته، وفي قلب ابنه، الذي لم يكن بالنسبة له مجرد شاب يكبر، بل فكرة تتجسّد، وحلمًا يمشي على قدمين.
اسمه طلال.
وكان الاسم وعدًا أكثر مما كان تعريفًا. وعدًا بأن يكبر الحلم بهدوء، وأن يصل إلى السماء يومًا كما حلم أبوه، لا بدافع المجد، بل احترامًا لقيمة آمن بها: أن من يحترم القواعد يحمي الحياة. سنوات من التعب والانتظار، من الفخر الصامت، من الدعاء الذي لا يُقال بصوتٍ عالٍ، حتى جاء اليوم الذي سقط فيه الحلم… لا في السماء التي نعرف مخاطرها، بل على الأرض، في شوارع مدينتنا.
لم يكن السقوط نتيجة عاصفة، ولا خللًا في آلة، ولا مخاطرة مهنية. كان نتيجة طريقٍ فقد هيبته، وثقافةٍ اعتادت الاستهتار، حتى صار الاستهتار سلوكًا طبيعيًا لا يُستوقف. في شوارعنا، حيث تُكسر القوانين وكأنها اقتراحات، وحيث يسبق الاستعجال الحكمة، انتهت قصة شابٍ كان يستعد للحياة، لا للموت.
وجع الأب في مثل هذه اللحظات لا يُقاس بفقد الابن وحده، بل بفقد المستقبل الذي كان يُبنى بصمت. كل خطوة خطاها طلال، كل تعب تحمّله، كل حلم تشكّل، صار فجأة ذكرى. وهذا هو أقسى أنواع الفقد: أن تُسلب منك الغاية قبل أن تكتمل الرحلة.
ما حدث للطيار الشاب طلال ليس حادثًا عابرًا، بل نتيجة منطقٍ خاطئ تراكم حتى صار مقبولًا. ثقافة تقول: أنا أولًا. لا أنتظر. لا ألتزم. ثقافة لا ترى في الدراجة النارية إنسانًا له أم تنتظر وأب يحلم، بل عائقًا يجب تجاوزه. في ليالي مدننا، تتحول الطرق إلى ساحات فوضى، ويغيب الشعور بأن الطريق عقد أخلاقي بين الجميع، لا ميدان استعراض.
وحين نواجه الأرقام، نجد أن المأساة أكبر من قصة واحدة. مئات الأرواح تُفقد سنويًا على الطرق، وآلاف الإصابات، وغالبية الضحايا من الشباب في عمر البدايات. هذه الأرقام لا تبكي، لكنها تشهد. خلف كل رقم بيت مكسور، وأب يشيخ فجأة، وأم تعيش على سؤالٍ لا جواب له. هذه ليست أقدارًا حتمية، بل نتائج سلوكيات يمكن تغييرها.
القانون الصارم ضرورة لا جدال فيها، لكنه بلا روح احترام الحياة يبقى ناقصًا. في الطيران، لا يُسمّى خرق الإجراءات شجاعة، ولا يُكافأ التهور. فلماذا نمنحه هذا الوصف على الطرق؟ لماذا نعتبر الالتزام ضعفًا، والانتظار هزيمة، بينما الوصول سالمًا هو الانتصار الحقيقي؟
هذه الكلمات لا تُكتب لإدانة أحد، بل لتحمّل مسؤولية جماعية. لا لتأجيج الغضب، بل لحماية ما تبقى. فكل مخالفة نبررها اليوم قد تصبح عزاءً غدًا، وكل استهتار نضحك عليه قد يتحول إلى اسم جديد يُذكر بالحزن.
رحم الله الفقيد الطيار الشاب طلال بن عماد حجازي، وجعل مثواه الجنة، وربط على قلب والده الكابتن عماد، هذا الإنسان الذي آمن أن احترام النظام هو أرقى أشكال احترام الحياة، وعلى قلب والدته وأسرته جميعًا.
ولعلّ هذه المصيبة تكون جرس إنذارٍ لنا جميعًا، أن نعيد للطرق هيبتها، وللقانون معناه، وللحياة قيمتها… قبل أن نبدأ قصة عزاء جديدة.