facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العدالة المرورية وإنفاذ وتطبيق قانون السير


فيصل تايه
04-02-2026 10:42 AM

الحديث عن مخالفات السير ينبغي أن ينطلق من منطلق وطني مسؤول، يقوم على الحرص على سيادة القانون واحترامه، لا على رفضه أو التشكيك في ضرورته، فالجميع يدرك أن قوانين السير وُضعت لتنظيم الحركة المرورية وحماية الأرواح والممتلكات، وأن تطبيقها العادل يشكل ركيزة أساسية من ركائز النظام العام ، غير أن الإشكالية التي باتت تؤرق شريحة واسعة من المواطنين اليوم لا تكمن في وجود القانون ذاته، بل في بعض ممارسات تطبيقه، وبخاصة تلك التي تخضع للتقدير البشري والمزاجي.

ومن الضروري، في هذا السياق، التفريق بوضوح بين المخالفات المثبتة عبر أنظمة الرقابة الآلية والكاميرات المرورية، وهي مخالفات واقعة ومصورة لا جدال فيها، تقوم على الحياد والتجرد، ولا تحمل أي بعد شخصي أو مزاجي، وتشكل أداة حديثة وفعالة في ضبط السلوكيات الخطرة وتنظيم السير ، حيث هذه المخالفات، في جوهرها، محل احترام وقبول، لأنها تستند إلى الوقائع لا إلى الاجتهادات.

أما موضع القلق الحقيقي، فيتمثل في المخالفات التي تحرر ميدانياً من قبل بعض رجال السير، والتي تمارس في أحيان كثيرة بروح ترصدية بعيدة عن الثقافة المرورية والمهنية المطلوبة ، إذ لم يعد خافياً على أحد أن وجود رجل السير في بعض المواقع بات يُنظر إليه وكأنه مخصص لتحرير المخالفات فقط، لا لتنظيم الحركة أو إرشاد السائقين أو الوقاية من الخطر ، وهذا التصور، سواء كان دقيقاً أو نتاج تراكمات وتجارب متكررة، يعكس خللاً في العلاقة بين المواطن وجهة إنفاذ القانون، ويستدعي مراجعة صادقة وهادئة.

فليس من العدل، ولا من روح القانون، أن يفاجأ المواطن بمخالفة دون تنبيه أو توجيه، ودون أن يكون سلوكه قد شكل خطراً حقيقياً على السلامة العامة ، كما لا يجوز أن يتحول التقدير البشري، الذي يفترض أن يكون أداة مرنة لتحقيق العدالة، إلى باب واسع للاجتهاد الشخصي والمزاجية ، فالمخالفة البشرية، بخلاف الآلية، يجب أن تضبط بمعايير مهنية واضحة، تحكمها روح الإنصاف، وتقدم فيها الوقاية والإرشاد على العقوبة متى ما كان ذلك ممكناً .

وتتفاقم آثار هذه الممارسات حين تتراكم المخالفات البشرية على المواطن، ليجد نفسه عند مراجعة دوائر الترخيص أمام كم كبير من المخالفات لم يكن مدركاً لكثير منها، وغير قادر على ترخيص مركبته أو استكمال إجراءاته القانونية الخاصة بذلك ، هنا لا يعود الأمر متعلقاً بمخالفة واحدة أو إجراء إداري بسيط، بل يتحول إلى عبء ثقيل يمس حياة المواطن اليومية، وقدرته على العمل والتنقل، ويضعه في حالة عجز لا تتناسب مع طبيعة المخالفات ولا مع مقاصد التشريع.

وما يزيد من خطورة هذا الواقع أن بعض المواطنين باتوا، بصورة غير معلنة، ينصحون بعضهم البعض بتجنب استخدام المركبات الخاصة واللجوء إلى وسائل النقل العامة، لا بدافع الوعي البيئي أو تخفيف الازدحام، بل هرباً من الوقوع تحت طائلة المخالفات المفاجئة وهذه النتيجة، إن صحت واستمرت، تمثل مؤشراً اجتماعياً مقلقاً ، لأن القانون حين يدفع المواطن إلى الهروب بدل الالتزام، يكون قد ابتعد عن غايته الأصلية، وأصبح "عبء نفسي وسلوكي" بدل أن يكون إطاراً منظماً وآمناً.

إن القانون، في فلسفته العميقة، لم يشرع ليكون أداة للضغط أو وسيلة لتجميع الغرامات، بل ليكون إطاراً منظماً يحفظ الحقوق ويحقق التوازن بين الردع والعدالة ، وحين يُطبّق القانون بمعزل عن روحه، أو يفرغ من بعده الإنساني، فإن ذلك لا يعزز هيبته، بل يضعفها، ويزرع في نفوس الناس شعوراً بالغبن، ويحول الالتزام بالقانون من قناعة راسخة إلى خوف دائم.

إننا، من موقع الحرص والمحبة والتقدير، نتوجه بهذه الرسالة إلى كبار المسؤولين وصناع القرار، إيماناً بقدرتهم على الإصلاح، وثقة بحرصهم على العدالة وسيادة القانون ، فمراجعة آليات تطبيق المخالفات ، خاصة ضبط التقدير الفردي، وتعزيز الثقافة المرورية المهنية لدى رجال السير، ليست انتقاصاً من هيبة الدولة، بل على العكس، هي تكريس لها، وحماية لسمعة مؤسساتها، وترسيخ لعلاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل بين المواطن والدولة.

إن اداء الجهة المعنية عندما يكون قوياً فانه لا يقاس بعدد المخالفات المسجلة، بل بعدالة إنفاذ القانون، وبقدرتها على بناء وعي مروري يجعل من رجل السير رمزاً للأمان والتنظيم، لا مصدراً للرهبة ، فجميعنا مستخدمون للطريق، ومسؤولون ومواطنون على حد سواء، ومعرّضون لهذه التجربة، ولا يجوز أن يبقى مصير المواطن مرهوناً بتقدير مزاجي أو ممارسة فردية لا تعبر عن روح القانون ولا عن قيم الدولة.

هذه رسالة لفت انتباه لا رسالة اتهام، ورسالة محبة لا مواجهة، ونداء إصلاح لا تشكيك ، غايتها أن يبقى القانون مظلة عدل، لتبقى مؤسسات الدولة محل ثقة واحترام، وأن يشعر المواطن، في كل شارع وزقاق، أن القانون وجد لحمايته وتنظيم حياته، لا لإرهاقه أو تعقيدها ، فبهذا وحده تُبنى العدالة المرورية، وتترسخ هيبة القانون، ويستقيم التوازن الذي لا غنى عنه بين الدولة والمجتمع.
والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :