اول الغموض النبيل .. عرف الناس (بالوما)
أحمد سلامة
03-02-2026 02:38 PM
رحم الله احمد عبيدات، كان اول مسؤول اردني عرفني لمعرفته باهلي…
ثمة ظاهرة شبه متفق عليها في حوارات عمان حول موائدها الليلية التي لا تكون دوما (برية).. ان مر الحديث عن اسم ثنائي المقطع دون الاستناد الى اسم عائلة او عشيرة واضحة المعالم، وسئل عنه يكون الجواب (فلسطيني) وهذا التعميم في النسب للجغرافيا جائر، ولا يمت للعروبة بصلة، فالعربي لا ينتسب لمكانه، بل لعشيرته وعائلته، ونحن بازاء هذه الظاهرة فان مردها او اسبابها كان (النهج العرفاتي الذي الح في فترة تكوين هذا المنهج ثم تكرس كظاهرة.. وامتد ليشمل الكثير من المسؤولين في بلدنا واضحت ظاهرة عامة ومقبولة..
ولعل اعذب قيمة تمت بصلة لروح احمد عبيدات، انه لم يقبل طوال حياته التعميم، لمعرفته العميقة بكلا ضفتي النهر
والحق انني لا استطيع ان اكون محايدا حين اكتب عن والد احمد عبيدات واحد اعمامه (محمود عبيدات / ابو عدنان) لانهما شغلا غبطة ورضا في حياتنا كاطفال ما بين عودة الله المحادين وموقفه الموضوعي، ووالد احمد عبيدات حكام منطقة (الجماعينات) في سنام الجبل الغربي لنابلس، ابان الضجيج الناصري، ومذبحة قصر الرحاب، والغضب السائد في كل المشرق العربي، كان هناك قادة محليين، يلملمون الجراح، ويسعون بصدق الى وضع المداميك لبلوغنا مرحلة السلام الذي ميزنا عن غيرنا
ولقد عولجت الازمات الكبرى العارضة في ذلك الوقت، بعقول رجال حكم طيبين ابناء ناس، "مو مقطوعين من شجرة"، لا يعرف احدا من اين بدأ جذرها، فجاءت النتائج بردا وسلاما على الناس وعلى دولة الناس..
وسط هذا اللهب نضج احمد عبيدات في المدرسة الصلاحية في نابلس وقبلها، في سلفيت… !!
كان صابر محمود عبيدات وانا على رحلاية واحدة طوال رحلة الابتدائية ويقيم في بيتي واقيم في بيته، وكان (احمد) الذي هو الان بين يدي ربه واكتب فيه ما احب ان يرضيه، يتردد على بديا وله صداقات زمالة مع ابناء عمومتي، ولم اكن اعرف ذلك..
وكما الاساطير في الخريف، تتعرى فيها الاشجار والحجارة، وتتكشف قلوب البشر.. راحت (بديا) مكان ولادتي، من عموم ما افتقد عام ١٩٦٧ م..
من قال ان الانسان يصنع قدره يكون اما احمق او متعجرف.. ولقد ساقني قدري، ان اتشرف بمجالسة (المرحوم ابو ثامر) في منزله بالشميساني عام ١٩٩٤ م لاول مرة، كنت اتفحص تفاصيله واراه عن قرب كم هو يتمتع ببشرة حنونة، وبهتة عينه، بهتة المحدق المخترق حد المطلق، وفي ظني انها طبيعة تخصه ولا دخل لها بما عاشه في دوائر الامن المغلقة.. وكان وسيما كله، وحييا حد التروي فتستمتع كمجالس له بهذا الحياء النبيل، ويهبك فرصة الاقتراب من عالمه..
ذهبت لزيارته في مهمة خاصة، شرفني بتكليفها سمو الامير الحسن، حفظه الله ورعاه، من موقعه ساعتذاك وليا للعهد ونائبا لجلالة الملك.. اثر اطفاء حريق شب بالدسيسة والتامر من حول (دولة ابو ثامر) زورا كله، وافتراء كله. وتم الترويج له من تلك المجموعة التي تتوالد في بلادنا مثل الفطر والارانب كثيرة الاعداد، وقليلة البركة. وتمكن سمو الامير الحسن والفريق العامل معه وكنت منهم، ولا بد من ذكر دور دولة ابو عصام / عبد الرؤوف) الايجابي في ذلك الحدث ، ودور الاستاذ محمود الكايد رحمه الله.. والمرحوم احمد العبيني الذي لعب دورا تنظيميا من وراء حجاب..
اللعبة دوما تتكرر بسذاجة ومن غير مهارة وتقوم على مبدأ (احتكار المعلومة، واحتكار توصيلها) ويتم الانقضاض..
تلك المواجهة بين دولة احمد عبيدات وخصومه خابت (لوجود الامير الحسن الذي اتقن مهارة الغربلة والتشييك) وبطانته التي ضمت بعض الوطنيين، غير المذعنين، ووجود رجل دولة مثل عبد الرؤوف الروابدة بيأخذ وبيعطي وكان رئيسا للوزراء بالوكالة..
جلست قبالة رجل الدولة الوازن ابو ثامر.. بعد ان رحب بي بدفء ابوي سألني مباشرة:
اخ اخمد انت مين والدك من ال سلامة؟..
اكون كاذبا ان قلت انني لم افرح بالسؤال، واحسست بتلعثم، لان والدي من عموم رجالات عشيرتي، وشككت انه قد يعرفه!!
اجبته من دون اي تفكير والدي دولة الرئيس من عموم اهله، وربما انك تعرف زعامة العائلة (وذكرت له) المرحوم العم ابو محمود مصطفى عودة سلامة نقيب المحامين في الضفة الغربية.
ابتسم بهدوئه المعهود وقال اعتقد انني التقيت مع والدك في عشاء عند المرحوم ابو مصلح، لرحمة الوالد وابو مصلح من زعماء ال طه
شركاؤنا في المصاهرة والحب،
واضاف بكل وقار هو والدك ابو حمزة صح؟
اجبته بلهفة: ايوا هو والدي
اثنى عليه بما فاض من خلق، ورحنا من بعد لما قد كنت قد ذهبت لاكماله!!
اكتشفت في تلك الجلسة في شخص احمد عبيدات ثلاثة حقائق:
الاولى: قدريته حد الراحة المطلقة، قال لي في احدى مفاصل الحوار الحاسمة، اخبر سمو الامير الحسن انه في (رب) وهذا الرب عادل وسلم عليه وابلغه انني فوضت امري لربي فلا يخشى على من هو في رحمة ربه..
هذا الدرس يعطيك عزما وثقة حين تدرك ان احمد عبيدات لا يردده شعارا، بل يعايشه حياة بكل التفاصيل
الثانية: معرفته بالناس، ابو ثامر حميما وصادقا لا يعرف المواربة، ويعرف الناس بما هم فيه، في مطلع حكومته كلفني الصديق شوكت مخمود يرحمه الله للاتيان بالصديق حسني عايش من بيته كان يسكن في اللويبدة لفندق الجراند بالاس لان دولة ابو ثامر الذي يعكف على تشكيل حكومته يريده وزيرا معه ذهبت والنائب المرحوم تحسين الفارس، في ذلك البرد الى منزل ابو حسام قرب المنتزه، واتينا به للفندق وحضرت المكالمة بينه وبين دولة ابو ثامر
قال له اتشرف بك (يا استاذي) ان نكون معا وزيرا للتربية والتعليم واعتذر ابو حسام والح دولته عليه واخيرا قال له بلكي الشباب ازعجوك وكنت نايم، منأجل الكلام للغد
واضاف، انت درستني بالصلاحية رياضيات وما نسيتك…
من قال ان المنابع لا تفضي الى اكتشاف المصب يكون مخطئا.. كان ابو ثامر باختياره للناس لا يقوم على ما يربطهم به من مصالح
كانت منصات الاختيار حكيمة، وحميمة.
فمن يختار زميله لانهم شركاء في مطعم او كراج وخلافه قبل ان يمن الله عليه بالحكمة، فانه بالتأكيد لن تكون نتائج اختياره مثا اصطفاء استاذ رياضيات لم يلتقيه من مرحلة الثانوية
الثالثة: احمد عبيدات والبوح النبيل…
احمد عبيدات باح طوال مختلف مواقعه بحبه الوطني باثار واخلاص ومروءة وظل ملكيا ولاؤه للعرش من فهم تاريخي لحقائق الحياة..
اخر مرة التقيته كنا كلنا في ضيافته، في حرثا الونيسة الوادعة.. (زمني زيد الحموري صديق العمر) الى حرثا مرورا ببيت راس، كانت رحلة بهية كنا ضيوفا على ابو ثامر
ذوقان عبيدات وكتابه الذي كان سيزفه الى اهله وذويه هدية كريمة وعنوان وفاء، ومروان المعشر، والطيب الزاهد الجميل (نذير)، والاستاذ محمد داوودية، وقبلنا دولة ابو عصام الذي ناب عنه عصام بسبب المرض ودولة عدنان بدران وانا، لنتحدث في حضرة النبيل احمد عبيدات الذي قدم الكتاب والمتحدثين حبا وتواضع..
ولان ذوقان يناصفني بالحب والجينات لـ (احمد رفعت سلامة)، فلقد قررت ان اجالس العبيدات لانني فعلا احسست انني (روحت) على (هلي)، ولم اجالس الحضور الطاولة الا بالحاح ضاغط من المنظم..
يومها رأيت احمد عبيدات في عشيرة لم ار اسمى منها لافاخر باختلاط دمائنا معا بالمصاهرة وبالدفاع عن الاردن وعن فلسطين..
كان احمد عبيدات في تلك الامسية الحرثاوية.. يعلمنا كيف يستطيع الزعيم ان يلغي المسافة بين الوطنية ورسالة الوطنيين، وكيف
ان الرجال النبلاء هم من يخلدون الاماكن بذكراهم واعمالهم.
فالمختارة، وحمص، وتكريت، ومن قبل كل ذلك (الرحاب) بلدة الهاشميين حيث تعلموا فنون الحياة رجالا ونساء واليوم وحرثا تضم رفاة (ابو ثامر) ستنضم الى الخالدات في تاريخ المشرق العربي فهذا التراب الذي سيتدفأ بايواء (احمد) اليه سيتغير لونه، وسيزداد خصبة..
نعم اضحى لدينا (حرثتنا) مثل مختارتهم، ومثل حمصهم..
وانا اهم بالانتهاء من هذه المرثية يترأى الي نسوة العبيدات الزينات الانيقات اللواتي طبخن باياديهن الطاهرة البيضاء ليظل وجه (احمد) ابيض مثل قلبه ويده، انادي عليهن بشفاعة الابوة والاخوة واقول فلتبكين يا بنات حرثا، فلاحمد تنهمر الدموع من الماقي، ولاحمد يبرد تراب مثواه بالوفاء..
فلتبكين فالقلب طافح بالحزن وظل احمد سيغطي قلوبنا بالدفء
احمد عبيدات يرحمك الله قدمت ذوب شبابك لمليكك ووطنك ولم ترمش وتركت سيرة للاردنيين يغمسون من صحن خلقك وجميل سجاياك اجيالا قادمة، ولقد كانت محنة مرضك ووفاتك يرحمك الله قصة وطن يقول ان ضمير بلادك لم يخترقه العفن قط
فهذه الظاهرة التضامنية بردت قلوبنا ان اردننا على حاله وكل الزبد ماض عما قريب..
نم قرير العين .. ايها الجميل والنبيل ما تركته جدير بان يخلد يرحمك الله