يشيع في الثقافة العربية ربط مباشر بين الطقس والأخلاق، وكأن السماء تمنح المطر كمكافأة على السلوك الحسن، أو تمنع الغيث عقابًا على الانحراف أو الابتعاد عن القيم. هذا الربط، رغم انتشاره، لا يستند إلى أي قاعدة علمية في علم المناخ أو علم النفس الاجتماعي، ولا يقبله أي فرع من فروع الأنثروبولوجيا أو الدراسات الدينية الحديثة.
١. هل توجد علاقة علمية بين الطقس والأخلاق؟
من منظور علمي بحت، الطقس ظاهرة فيزيائية ناتجة عن:
حركة الكتل الهوائية
الضغط الجوي
الرطوبة
موقع المنطقة بالنسبة لخطوط العرض
التضاريس
التيارات البحرية
ولا يوجد أي عامل أخلاقي يدخل في تكوّن المطر أو انعدامه.
هذه معادلة طبيعية محضة: لا وجود فيها لسلوك إنساني أو قيمة أخلاقية.
علم المناخ (Climatology) درس هذه الظواهر لعقود طويلة، ولم يُسجّل وجود أي تغير مرتبط بسلوك مجتمع معين أو معتقداته أو مستوى إيمانه.
٢. لماذا أصلاً نشأت الفكرة بأن السماء “تكافئ” أو “تعاقب”؟
تاريخيًا، الإنسان القديم كان يفسّر الظواهر الطبيعية حسب ما يراه أمامه.
وعندما كانت المجتمعات الزراعية تعتمد على المطر للبقاء، أصبح المطر رمزًا للحياة والبقاء، وبشكل طبيعي ربطته الجماعات :
الرضا الإلهي،
صلاح السلوك،
الطهارة الجماعية.
هذه التفسيرات ليست أخلاقية بطبيعتها، بل محاولة بدائية لفهم الطبيعة قبل قيام العلم.
لا يزال هذا الإرث الثقافي يعمل حتى اليوم، فيُعاد تفسير أي حالة طقس وفق معيار أخلاقي، خاصة في المجتمعات التي تعيش حالة صراع بين القيم والدين والواقع الاجتماعي.
٣. ولماذا إذًا الوطن العربي — مهبط الرسالات — هو الأكثر تصحرًا؟
علميًا، السبب ليس أخلاقيًا بل جيولوجيًا ومناخيًا:
1. المنطقة العربية تقع في نطاق الحزام الصحراوي العالمي الممتد من الصحراء الكبرى إلى الجزيرة العربية.
2. هذه المنطقة يمرّ فوقها المرتفع شبه المداري الذي يمنع تشكّل السحب الممطرة.
3. التضاريس العربية لا تملك جبالًا مرتفعة كفاية لحجز الرطوبة كما في أوروبا أو آسيا.
4. البحر المتوسط صغير نسبيًا لتوليد كتل رطبة تكفي المنطقة على مدار العام.
هذا التوزيع حدث قبل ظهور الإنسان وقبل أي ممارسة دينية أو أخلاقية.
تصحّر المنطقة سببه المناخ وليس أخلاق الناس.
٤. لماذا الدول التي يُنظر إليها على أنها “غير مؤمنة” تتمتع بخضار وفير؟
الدول الإسكندنافية، كندا، أوروبا الغربية، اليابان—جميعها تقع في نطاقات مناخية معتدلة أو باردة، وتخضع لتيارات بحرية رطبة مثل:
تيار الخليج (Gulf Stream)،
التيارات القطبية البحرية.
هذه التيارات تجلب كتلًا ضخمة من الرطوبة، ينتج عنها:
أمطار غزيرة،
غابات كثيفة،
أنهار دائمة الجريان.
العامل الأخلاقي صفر.
العامل الجغرافي ١٠٠٪.
٥. لماذا تمطر فوق الحفلات والاحتفالات والرقص والتجمّعات؟
لأن المطر لا يختار.
الطقس لا ينتظر أن ينتهي الناس من الحفلة، ولا يصدر أحكامًا على الرقص أو الغناء.
نمط الاعتقاد هنا نفسي وليس طبيعيًا:
الإنسان يتذكّر الأحداث الاستثنائية أكثر من العادية ،
فعندما تمطر فوق حفلة، تتحوّل إلى “حدث ذا معنى”، بينما تمطر فوق الشوارع الفارغة عشرات المرات دون أن يعلّق أحد.
٦. لماذا يقول البعض: “وتريدون السماء أن تمطر وأنتم تفعلون كذا وكذا؟”
هذا التعبير جزء من:
السلطة الأخلاقية الشعبية التي تحاول ضبط سلوك الآخرين.
ثقافة تربط بين التحكّم الاجتماعي وبين اللجوء للغيب.
لكن الواقع الطبيعي لا يتوافق مع هذا الميل النفسي إطلاقًا.
٧. التفسير النفسي لاستمرار هذه القناعة
هناك ثلاثة عوامل نفسية رئيسية:
أ. الحاجة للسيطرة (Control Need)
عندما يشعر المجتمع بالعجز أمام الطبيعة، يبحث عن معنى أو سبب يمكن التحكم به، مثل الأخلاق.
ب. تجنّب العبء العلمي
فهم المناخ معقّد، أما ربطه بالأخلاق فهو تفسير جاهز وسهل.
ج. الضبط الاجتماعي
ربط المطر بالسلوك يُستخدم كأداة لتقوية الخطاب الأخلاقي التقليدي.
لا توجد علاقة علمية بين الأخلاق والطقس.
ما يحدث في السماء تحدده معدلات التبخّر، ودرجات الحرارة، والضغط الجوي، والتيارات البحرية، وخطوط العرض ، لا أخلاق البشر.
الدول الممطرة ليست “أفضل”، والدول الجافة ليست “أسوأ”.
المطر ليس شهادة حسن سلوك، والجفاف ليس عقوبة.
إنه علم فيزيائي بحت، وما تبقى هو أثر نفسي وثقافي ترسّب في الوعي الجمعي لقرون طويلة.