عن الطّفل في يومه العالميّ
أمل المشايخ
20-11-2025 08:01 PM
يحتفل محرّك البحث العملاق (جوجل) اليوم بيوم الطّفولة العالميّ، اليوم الذي أُعلنَ حسبَ توصيةِ الأممِ المتَّحدةِ يومًا عالميًّا للطِّفلِ؛ إذْ أوصت الجمعيَّةُ العامَّةُ في العام 1954 م بأنْ تقيمَ جميعُ البلدانِ يومًا عالميًّا للطِّفلِ يحتفلُ به بوصفهِ يومًا للتَّآخي والتَّفاهمِ على النِّطاقِ العالميِّ بين الأطفالِ.
وقبلَ ذلكَ وبعدَه عددٌ من الاتفاقيّاتِ الدَّوليَّةِ حولَ حقوقِ الطِّفلِ.... وللحقِّ أقولُ: كثيرةٌ هي المواثيقُ والأيامُ والاحتفالاتُ والمراكزُ والمؤسَّساتُ التي تُخصَّصُ للطِّفلِ وللطّفولةِ، الأمرُ الذي يضعُنا أمامَ مساءلةٍ عنْ مدى جديّةِ ما يُقدَّمُ للطّفلِ، ولنْ أخوضَ كثيرًا في الإحصائيّاتِ والأرقامِ؛ لأنَّها لا تنبئ إلا عنْ فقرٍ ومرضٍ وأميَّةٍ ويُتمٍ وتَشرُّدٍ؛ ممّا يدفعُنا أيضًا للسُّؤالِ عنْ دورِ الحكوماتِ والمؤسَّساتِ والهيئاتِ في وضعِ البرامجِ والاستراتيجيّاتِ التي منْ شأنِها خلقُ طفلٍ سعيدٍ آمنٍ متعلّمٍ صحيحِ الجسمِ معافى؛ هكذا تقولُ البنودُ العشرُ منْ حقوقِ الطّفلِ الذي أبسطُ ما يقالُ في تعريفِه (إنّه مشروعُ إنسانٍ)؛ فماذا قدَّمنا ليؤتي هذا المشروعُ أُكلَه؟ وأيُّ مستقبلٍ ينتظرُ طفولتَه المعذَّبَّةَ بالثَّالوثِ غيرِ المُقدَّسِ: الجهلِ والفقرِ والمرضِ، حينَ تطاردُه الطَّبيعةُ بأعاصيرِها وفيضاناتِها، وحينَ يطاردُه أيضًا جشعُ السِّياساتِ بالقتالِ والحروبِ، ومناهجِ تعليمٍ تُعنى بكلِّ شيءٍ إلّا الطّفولةَ، وربّما كانَ من المناسبِ أنْ نستمعَ للأطفالِ أو نشاهدَ رسوماتِهم، تلك التي تكشفُ ما يعتملُ في صدورِهم، وما يختبئُ في (اللاشعورِ) عندَهم: " في يومِ الطِّفلِ العالميِّ نرجو مراعاةَ استبعادِ مَنْ يأتي ذكرهُم: أربعةُ ملايينَ يتيمٍ ومتسوِّلٍ عراقيٍّ؛ كيْ لا يخدشَ وجودُهم المشهدَ العامَّ للاحتفالِ العالميِّ، أطفالُ فلسطينَ حرصًا على الأمنِ؛ فجيوبُهم معبَّئةٌ دومًا بحجارةِ الانتفاضةِ، التَّشديدُ على عدمِ تقديمِ الدَّعوةِ لأطفالِ الصّومالِ الذين قدْ يمنعُهم جوعُهم وضعفُهم من الوصولِ لمنصَّةِ استلامِ الهدايا؛ فلا نجدُ – إنسانيًّا - ضرورةً لمشاركتِهم بالعيدِ ... واللهِ لقدْ صارَ العالمُ مكتوبًا بعيونِ أطفالٍ تتهجَّأُ الألمَ بأحرفِ الفرحِ والمرحِ"... بهذِه السُّخريةِ التي تشبهُ مرارةَ الحنظلِ عبَّرتْ طفلةٌ عنْ يأسِها وإحباطِها منْ عالمِ الكبارِ.
أمّا أطفال غزة فغدا الرّغيف والدّواء حلمًا إلى الحدّ الذي يجعل الحديث في التّعليم والشّأن التّربويّ عمومًا ترفًا حين نشاهد صور الأطفال على الشّاشات يجلسون على ركام منازلهم يبكون من فقدوا من آبائهم، أو يقفون أمام الخيام وقد بدأ الشّتاء.. الخيام التي لا تكاد تقي البرد لصغار يفترشون الأرض ويلتحفون السّماء يهدّدهم الموت جرّاء نقص الغذاء والدّواء.
ولستُ أدري لماذا قفزتْ في ذهني لوحةُ (الفتى الباكي) للفنّانِ الإيطاليِّ (جيوفـاني براجوليـن)، هذه اللوحة التي كانتْ جزءًا منْ طفولةِ الكثيرين منّا، ولعلّ الكثيرين أيضًا تساءلوا عنْ سببِ بكائه، وتخيَّلوا لذلك أسبابًا كثيرةً ليسَ أبعدَها وفاةُ أمّه مثلًا، ومهما قيلَ في انعكاساتِ اللوحةِ على المتشائمين؛ لكنّها بحقٍّ تختزلُ الطُّفولةَ بما يتجاوزُ الكلماتِ التي تحاكي تلكَ الطِّفلةَ حينَ غنَّتْ لحاجاتِ الطّفولةِ البائسةِ التي وُضعتْ خارجَ معادلةِ الحروبِ: "أعطونا الطّفولة... أعطونا السّلام"
كما تحضرني ميكايّيلا مايكروفت (من جنوب أفريقيا) التي كانت في السّابعة عشرة من عمرها حين فازت بجائزةِ السّلامِ الدّوليَّةِ للأطفالِ عامِ 2011 في لاهاي تكريمًا لعطائِها في مجالِ حقوقِ الأطفالِ وذوي الاحتياجاتِ الخاصَّة في بلدِها- قالتْ: "الأملُ يدفعُنا إلى الاستمرارِ في التَّقدّمِ وفي الكفاحِ منْ أجلِ الحياةِ التي نستحقُّها".
واليومَ يحقّ لنا أن نسأل والحرب ما زالت مستمرة على الطفولة في غزة والسّودان وغيرها من أصقاع الأرض:
ماذا فعلنا حتى لا نضيِّعَ الطِّفلَ والطّفولةَ؟ ماذا فعلنا لتزهرَ البراعمُ زنابقَ وياسمينًا؟ ماذا فعلنا حتّى لا يضيعَ (شادي)، كما قدْ ضاعَ في ذاتِ أغنيةٍ عذبةٍ لفيروز؟