هل تصنع إلغاء العطلة معجزة اقتصادية؟
نضال أنور المجالي
11-02-2026 10:58 PM
يبدو أن "حمى التنظير" قد أصابت بعض خبرائنا الاقتصاديين، لدرجة أن أحدهم قرر أن يضع إصبعه على "الجرح النازف" للميزانية، ولم يجد الجرح في الترهل الإداري أو ضعف الاستثمار، بل وجده في "يوم العطلة"! خرج علينا بلهجة "وول ستريت" ليعترض على دراسة الحكومة لزيادة العطل، مطالباً بـ "أمركة" الدوام الأردني لأن نيويورك لا تنام، وكأن تحويلنا إلى آلات تعمل بلا توقف سيهبط علينا بالثروات من السماء.
عقدة الخواجة: لماذا لا ننظر إلى ألمانيا؟
إذا كان خبيرنا مغرماً بالمقارنات الدولية، فلماذا اختار أمريكا "المُرهقة" ولم ينظر إلى ألمانيا؟ ألمانيا، صاحبة أقوى اقتصاد في أوروبا وقاطرة الصناعة العالمية، تمنح مواطنيها إجازات رسمية وسنوية طويلة، وساعات عمل هي الأقل عالمياً، لكنها الأعلى إنتاجية.
المشكلة يا سيدي ليست في "عدد الأيام" التي نقضيها خلف المكاتب، بل في "جودة العمل" وقيمة الإنسان. الألماني ينتج في 6 ساعات ما لا ينتجه "المنظرون" في شهر، لأنهم قدّسوا العمل لا "الحضور والانصراف". إلغاء العطلة لن يصنع منا "نمراً اقتصادياً"، بل سيصنع شعباً مستنزفاً يبحث عن أي مهرب من واقع مرير.
عن النشامى الذين يداومون فعلاً
وبينما ينشغل الخبير في حساب "خسائر" العطلة من مكتبه الوثير، هناك من لا يعرف معنى "الإجازة" أصلاً، ولا ينتظر دراسة حكومية ليرتاح. هنا، نقف إجلالاً لرجال الأجهزة الأمنية ونشامى القوات المسلحة - الجيش العربي.
هؤلاء هم "الخبراء الحقيقيون" في إدارة الوقت والجهد؛ فهم يواصلون الليل بالنهار، صيفاً وشتاءً، وفي أقسى الظروف، بينما ننام نحن في بيوتنا بفضل سهرهم وتضحياتهم. هؤلاء لا يشتكون من طول الدوام لأن بوصلتهم هي "أمن الوطن"، وهم البرهان الحي على أن الإخلاص في الميدان هو ما يحمي الدولة، وليس شطب يوم عطلة من أجندة الموظف الكادح.
رسالة إلى صاحب المقارنات
يا سيدي، شتان بين من يحمل القلم ليقطع "نفس" الموظف بتنظيرٍ لا يطعم خبزاً، وبين من يحمل روحه على كفه في الخنادق وعلى الحدود ليحرس أمننا. إذا كنت تصر على مقارنتنا بأمريكا، فابدأ بمقارنة "الحد الأدنى للأجور" وحقوق الموظف، وعندها فقط قد نستمع لرأيك في إلغاء العطل.
بدلاً من أن تستكثر على الناس يوماً يرممون فيه تعبهم، ابحث عن حلول لرفع قيمة "الساعة الإنتاجية"، واترك عنك مقارنات "مانهاتن" التي لا تشبه شوارعنا، إلا إذا كنت تضمن لنا "رواتب بالدولار" مقابل شطب أيام الراحة!
الانضباط يُتعلم من خنادق الجيش، لا من جداول الإكسل الباردة.
حفظ الله الاردن والهاشمين..