سوريا الآن: من مشهد الفوضى إلى هندسة الدولة
صالح الشرّاب العبادي
05-02-2026 12:49 AM
هل ما يجري اليوم في سوريا هو مجرد تقدّم عسكري؟، أم أننا أمام عملية أعمق، تتعلق بإعادة هندسة الدولة بعد سنوات طويلة من إدارة الصراع بدل حسمه؟.
ما أراه – وأقوله بوضوح – أننا دخلنا مرحلة مختلفة جذريًا عمّا عرفناه منذ عام 2011. الاشتباكات تراجعت، الضجيج خفّ، لكن القرارات باتت أكثر عمقًا وأخطر أثرًا. لم تعد الحرب تُدار بالصوت العالي، بل بالحساب البارد.
القامشلي والحسكة تقدّمان نموذجًا واضحًا لهذا التحول: تسلّم نقاط، تسليم نقاط، دخول أمني بلا اقتحام، وتفاهمات بلا صور انتصار. هذا ليس ضعفًا، بل تعبير عن ثقة بأن الزمن بات يعمل لصالح الدولة، لا ضدها.
في هذا السياق، تُقرأ حالة «قسد» بوصفها نموذجًا دالًا. لم تعد تُعامل كعدو يجب سحقه، ولا كحليف يمكن الرهان عليه، بل كبنية وظيفية انتهى دورها. وأخطر ما يمكن أن يواجه أي كيان مسلح هو أن تنتهي الحاجة إليه. قسد لم تخسر معركة عسكرية، لكنها خسرت السياق الدولي الذي وُلدت فيه. الأميركي لم ينسحب فجأة، لكنه توقّف عن الاستثمار السياسي، وحين يتوقف الاستثمار، تبدأ الأصول بالتفكك ذاتيًا.
الذكاء السوري في هذه المرحلة – وهي نقطة نادرًا ما يُلتفت إليها – يتمثل في الفصل بين السلاح والهوية. الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد ترافق مع نزع الشرعية عن أي سلاح خارج إطار الدولة. هكذا سُحبت الذريعة، وضاق هامش المناورة، وفُتح باب الدمج بدل الصدام.
على المستوى الأوسع، تتحرك سوريا اليوم ضمن ثلاث دوائر متداخلة.
الأولى هي المدن الكبرى: لا جيوب مسلحة داخلها بعد اليوم. حلب كانت الرسالة، والقامشلي جاءت كتطبيق هادئ لها.
الثانية هي الشرق السوري، حيث دير الزور وشرق الفرات ليست مسألة عسكرية فقط، بل معادلة عشائر، نفط، وممرات نفوذ. هنا تراهن الدولة على المجتمع أكثر من الدبابة؛ فمن يكسب العشائر، يكسب الأرض دون قتال.
أما الدائرة الثالثة فهي الجنوب السوري، وهنا لا بد من الصراحة: ما يجري شمالًا وشرقًا يُقرأ في عمّان بدقة عالية، لأن أي فراغ في سوريا كان يُعاد تصديره تهريبًا وسلاحًا ومخدرات.
انحسار قسد شمالًا يعني أمرًا بالغ الأهمية: انتهاء نموذج «الكيان المسلح القابل للاستنساخ». وهذا ينعكس مباشرة على السويداء والجنوب؛ فلا نموذج حكم ذاتي مسلح بعد اليوم، لا في الشمال ولا في الجنوب. في الشرق، العشائر هي من سيحدد مصير الدمج أو التفكك، وفي الجنوب تمثّل خط الدفاع الاجتماعي الأول عن الاستقرار.
إقليميًا، الصورة متقاطعة لكنها غير متناقضة:
تركيا تريد إنهاء قسد،
إيران تريد دولة مركزية قوية، خصوصًا في ظل التصعيد والتهديد الأميركي الفاعل،
العراق يريد حدودًا صامتة،
والأردن يريد سوريا مستقرة، أي سوريا دولة لا ساحة.
أما الولايات المتحدة، فهي في مرحلة إدارة خروج هادئ لا انسحاب صاخب، وهو ما يفسر هذا الهدوء المريب في المشهد العام.
الخطر الحقيقي الآن – وأقوله بوضوح – ليس في بقاء جيوب مسلحة، بل في سوء إدارة مرحلة الانتقال. إذا تحوّل الدمج إلى إذلال، وإذا عادت الدولة بمنطق أمن بلا سياسة، فسنعود إلى نقطة الصفر ولكن بأسماء جديدة. أما إذا نجحت دمشق في تحويل هذا التقدم الهادئ إلى عقد اجتماعي جديد، فنحن أمام سوريا مختلفة: أقل شعارات، وأكثر واقعية.
الخلاصة التي أؤمن بها أن سوريا لم تخرج من الحرب بعد، لكنها خرجت من وهم إدارة الفوضى، ولو مرحليًا. وما يجري الآن ليس نهاية الصراع، بل بداية اختبار الدولة. إنها مرحلة سحب البساط البطيء من تحت مشاريع الانفصال، شمالًا وجنوبًا. وإذا ما اكتمل بسط السيطرة، فإن الاتجاه سيكون نحو أطر تفاهمات دولية معقّدة، بما فيها المسار المرتبط بإسرائيل، بدعم عربي ودولي، وضمن شروط وضوابط تفاوضية دقيقة، وبحضور أميركي وازن. هذا مسار طويل، يحتاج وقتًا، ونَفَسًا استراتيجيًا، وقدرة على فرض الشروط لا طلبها.