لمن يهمه الوطن .. لمن يهمه الامر!!!
د. ثابت المومني
16-12-2025 12:47 PM
نعم لصرف صحي في الجنيد لحاجات بيئية لا لترف خدماتي فقط
نعم لمشروع الصرف الصحي في الجنيد، لكن بشرط أن يُنفّذ بمنطق يحمي الأمن المائي. إن إنشاء محطة رفع على مثلث عبين في بيئة كارستية تُعد منطقة تغذية وتجمع مياه، يجعل أي خلل حتى فنيًا أو إداريًا أو إنشائيًا أو مع تقادم الزمن بوابة محتملة لتلوث الموقع ذاته والتربة والمياه الجوفية مباشرة، فضلًا عن خطر انتقال التلوث إلى سد كفرنجة المرتبط بمحطة تحلية تزود مياه الشرب. ويزداد القلق حين نلاحظ أن بعض التقييمات البيئية التي أُجريت—مع كامل الاحترام—لم تعكس بدقة خصوصية الموقع، ولم تمنح حساسية الطبيعة الصخرية والبيئية والهيدرولوجية الوزن الكافي. البديل الأكثر أمانًا والأقل كلفة هو حل بالجاذبية عبر حفر شرق مثلث عبين لمسافة لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا وبعمق أقصى لا يزيد عن 7 أمتار.
أولًا: لماذا نقول “نعم” للصرف الصحي في الجنيد؟
مشروع الصرف الصحي ليس ترفًا خدماتيًا، بل ضرورة بيئية وصحية تمنع استمرار التلوث المزمن الناتج عن الحفر الامتصاصية، وتحمي التربة والمياه الجوفية وتخفف الأعباء عن المواطنين. الجنيد منطقة حساسة مائيًا، وأي تأخير في إيجاد حل شبكي آمن يعني استمرار مصدر تلوث قائم وممتد مع الزمن، بما يهدد الموارد المائية ويضاعف المخاطر الصحية والبيئية.
ثانيًا: حساسية مثلث عبين… كارست + تغذية + تجمع مياه
موقع مثلث عبين ليس موقعًا إنشائيًا عاديًا؛ فهو منطقة ذات صخور كارستية عالية النفاذية والتشققات، وتمثل نطاق تغذية للمياه الجوفية، كما أنها نقطة تجمع لمياه الأمطار ومسارات جريان مركّز. في مثل هذه الجيولوجيا لا يوجد حاجز طبيعي يفلتر الملوثات كما في بعض أنواع التربة، بل تتحول الشقوق والفواصل والمجاري الباطنية إلى قنوات نقل سريعة. لذلك فإن التلوث هنا لا يحتاج حادثًا كبيرًا؛ أحيانًا يكفي خلل صغير لا يُرى بالعين، كتسريب محدود أو شق شعري أو فاصل غير محكم، ليبدأ تلوثٌ صامت يتسلل إلى المياه الجوفية مباشرة وبزمن قصير وأثر واسع.
ثالثًا: ملاحظة جوهرية حول التقييمات البيئية في الموقع
إن ما يزيد خطورة القرار في مثلث عبين أن التقييمات البيئية التي حدثت في المكان—وبكل أسف—لم تُبنَ، كما يبدو من مخرجاتها، على قراءة ميدانية صارمة لخصوصية الكارست في المنطقة، ولا على تفسير كافٍ لمعنى أن الموقع “نقطة تغذية وتجمع مياه” في بيئة عالية النفاذية. فالخطأ في الكارست ليس خطأً عاديًا؛ لأنه لا يعطي فرصة “للترميم” قبل أن يصل الأثر إلى المياه الجوفية. وحين يُختزل التقييم البيئي إلى عموميات، أو تُقاس المخاطرة بمعايير صالحة لمواقع غير كارستية، فإن النتائج تصبح مضللة: تُظهر الموقع وكأنه قابل للاحتواء، بينما الواقع أنه قابل للانتقال السريع للملوثات. لذلك فإن أي قرار إنشائي هنا يجب أن يستند إلى تقييم بيئي-هيدرولوجي متخصص بالكارست، وإلى معطيات حقيقية عن مسارات الجريان والتغذية، لا إلى تقديرات عامة.
رابعًا: الخطر الحقيقي ليس السد فقط… بل المياه الجوفية أولًا
من الخطأ حصر المخاطر في سيناريو انتقال التلوث إلى سد كفرنجة فقط. الخطر الأهم والأقرب حدوثًا في مثلث عبين هو أن أي خلل في محطة الرفع سيؤدي إلى تلوث الموقع نفسه، وهذا التلوث في بيئة كارستية يعني أن الطريق إلى المياه الجوفية قصير ومفتوح. فمحطة الرفع هنا لا تهدد السد وحده، بل تهدد المخزون الجوفي الذي يغذي المنطقة أساسًا، لأن تسربات المياه العادمة في بيئة تغذية جوفية لا تبقى في التربة، بل تنفذ وتتحرك داخل شبكة الشقوق والمجاري الباطنية باتجاه المياه الجوفية، وقد تمتد آثارها إلى ينابيع ومصادر مياه مجاورة.
خامسًا: أي خلل (فني/إداري/إنشائي/زمني) قد يتحول إلى تلوث مباشر
محطة الرفع ليست مجرد مبنى ومضخات، بل منظومة حساسة تعمل على مدار الساعة، وتقوم على افتراض أن كل جزء سيبقى محكمًا ومراقبًا ومصانًا بشكل دائم، وهو افتراض غير واقعي. فالمخاطر لا تنتج فقط عن خطأ تشغيل لحظي، بل كذلك عن خلل فني مثل انسداد المضخات أو تعطل حساسات المنسوب أو فشل الصمامات أو كسر خط الطرد، وعن خلل إداري مثل تأخر الاستجابة أو ضعف المناوبات أو نقص قطع الغيار أو تراجع الرقابة مع مرور الوقت، وعن خلل إنشائي مثل تعشيش الخرسانة أو فواصل تنفيذ غير محكمة أو اختراقات أنابيب غير معزولة جيدًا أو ردميات تؤدي لهبوط وتشققات لاحقة، إضافة إلى تقادم الزمن الذي يضعف العزل والمواد ويزيد التشققات ويقرب احتمالات التسرب. في موقع عادي قد تُدار هذه الأعطال، أما في مثلث عبين الكارستي فإن أي خلل، حتى لو كان صغيرًا أو بطيئًا، قد يكون كافيًا لبدء تلوث جوفي مباشر لا تظهر آثاره فورًا، بل تتكشف بعد سنوات كتلوث مزمن صعب التتبع والاحتواء.
سادسًا: الخطر المضاعف… محطة رفع فيضانات تنقل إلى سد كفرنجة
تتضاعف الحساسية لأن المنطقة تحتوي أصلًا على محطة رفع لمياه الفيضانات تنقل مياه التجمعات المطرية باتجاه سد كفرنجة. وهنا يصبح لدينا مساران للخطر: مسار مباشر يتمثل بتلوث موقع المحطة ثم تسربه إلى المياه الجوفية عبر الكارست، ومسار منقول يتمثل باختلاط التلوث بمياه الأمطار ثم نقله ميكانيكيًا إلى السد عبر محطة رفع الفيضانات.
سابعًا: من سد كفرنجة إلى مياه الشرب… خطر صحي لا يُحتمل
سد كفرنجة مرتبط بمحطة تحلية أو معالجة لتزويد سكان عنجرة وكفرنجة وعين البستان بمياه الشرب. وعليه فإن تلوث السد، خصوصًا تلوثًا عضويًا أو بيولوجيًا ناتجًا عن مياه عادمة، يضع محطة التحلية نفسها في موضع خطر، وقد يفتح باب احتمال وصول مياه ملوثة إلى المواطنين، وهو أخطر سيناريو صحي ووطني لأنه يمس الصحة العامة والثقة بمنظومة المياه معًا.
ثامنًا: الكلفة ليست بسيطة… استملاك بمئات آلاف الدنانير وتشغيل دائم
إنشاء محطة رفع على مثلث عبين يستلزم استملاك أرض، وهذه الاستملاكات في مواقع حساسة وقريبة من الطرق والخدمات قد تصل كلفتها إلى مئات آلاف الدنانير، فضلًا عن كلفة الإنشاءات من غرف خرسانية ومضخات ولوحات تحكم ومولدات وخطوط طرد وغرف محابس، ثم كلفة التشغيل والصيانة الدائمة والمخاطر التشغيلية المصاحبة. أي أننا أمام عبء مالي وتشغيلي طويل الأمد مقابل وجود بديل أبسط وأكثر أمانًا.
تاسعًا: البديل الآمن… حل بالجاذبية يغني عن محطة الرفع
بدل إدخال محطة رفع إلى موقع كارستي حساس، يمكن الاستغناء عنها عبر حل بالجاذبية، وذلك بحفر شرق مثلث عبين لمسافة لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا وبأقصى عمق لا يزيد عن 7 أمتار عند أعمق نقطة، لحل فرق المناسيب واستمرار الجريان الانسيابي. هذا الحل يقلل المخاطر من جذورها، ويحمي منطقة التغذية الكارستية، ويمنع مسار التلوث المحتمل نحو السد ومحطة التحلية، كما يوفر على الدولة استملاكات مكلفة وتشغيلًا وصيانة دائمة.
عاشرًا: مخاطر تأخير الصرف الصحي… الحفر الامتصاصية تلوث صامت ومستمر
من المهم التأكيد أن عدم إنشاء الصرف الصحي أو تأخيره يحمل خطرًا مائيًا قائمًا بالفعل. فالاعتماد على الحفر الامتصاصية في الجنيد، مع صخور كارستية عالية النفاذية، يعني أن محتويات هذه الحفر يمكن أن تتسرب تدريجيًا إلى باطن الأرض ثم إلى المياه الجوفية، وتتفاقم الخطورة في مواسم الأمطار. وبما أن الجنيد منطقة تغذية، فإن التلوث المزمن قد يؤثر على ينابيع ومصادر مياه مجاورة، ومنها ينابيع في راسون، وعين أبو الجود على مثلث عين التيس، وغيرها من مناطق التصريف المائي. المطلوب إذن هو تنفيذ الصرف الصحي بسرعة، ولكن بتنفيذ آمن مائيًا.
خاتمة: الجنيد ومثلث عبين… قلب سكني وسياحي وبيئي لا يحتمل المخاطرة
تجدر الإشارة في ختام هذا المقال إلى أن منطقة الجنيد، ومثلث عبين على وجه الخصوص، ليست منطقة هامشية أو معزولة، بل تُعد من أرقى المناطق السكنية في محافظة عجلون، وقد استقطبت سكانًا من مختلف أنحاء المحافظة لما تتمتع به من موقع استراتيجي وبيئة طبيعية وجودة حياة. كما أنها منطقة سياحية بامتياز، تستقبل الزائرين من دول الخليج العربي وغيرها، وتضم مئات المنتجعات والأكواخ السياحية والمسابح والمرافق الترفيهية التي تعتمد في جاذبيتها على نظافة البيئة وسلامة المياه والمنظر الطبيعي.
وفوق ذلك، فإن الجنيد تُعد جزءًا أصيلًا من غابة عجلون الكبرى، وتشكل ممرًا سياحيًا وحيويًا للقادمين من محافظات إربد والشمال والمفرق والزرقاء من الشرق، ومن جرش وعمان وبقية المحافظات. وعليه فإن أي قرار إنشائي في هذه المنطقة لا ينعكس أثره على موقع واحد فحسب، بل يمتد ليؤثر على منظومة سكنية وسياحية وبيئية متكاملة تمثل واجهة عجلون وعمقها التنموي.
من هنا، فإن حماية الجنيد ومثلث عبين ليست مسألة هندسية فحسب، بل قرار تنموي ومسؤولية وطنية تفرض اعتماد حلول صرف صحي آمنة مائيًا، تحمي المياه الجوفية والسدود ومياه الشرب، وتصون المكان الذي يُعد عنوانًا للسكن الراقي والسياحة البيئية في محافظة عجلون.