يحبّ الإنسان أن يطمئنّ إلى فكرةٍ مريحة: أن العقل قادر على فهم كل شيء، وأن المنطق والتحليل يكفيان لتفسير العالم واتخاذ القرار الصائب. لكن التجربة الإنسانية، قديمها وحديثها، تكشف حقيقة أكثر تعقيدًا: قدراتنا العقلية، مهما بلغت، ليست وحدها ما نحتاجه لفهم واقعٍ سريع التشابك ومتعدد الطبقات.
فالعقل قد يبرع في التحليل، لكنه يخطئ في التحيّز، ويتعب تحت ضغط المعلومات، ويحتاج إلى ما يسانده من وعيٍ ذاتي، وتواضع معرفي، ومهارات إنسانية تلتقط ما لا يلتقطه المنطق وحده. لذلك، ومع بداية عام 2026، حان الوقت أن “تكبّر عقلك”: لا بمعنى امتلاك إجابات أكثر، بل امتلاك أدوات أفضل، أن توسّع زاوية رؤيتك، وتدرّب نفسك على "التفكير النقدي"، وتراجع افتراضاتك، وتُحسن الإصغاء، وتبني عادات تعلّم مستمر، بحيث يصبح عقلك أقدر على التعامل مع التعقيد لا الهروب منه.
نعيش في عصر يمجّد العقل ويضعه في مركز كل شيء: التخطيط، التنبؤ، الإدارة، وحتى السعادة. لكن هذا التمجيد كثيرًا ما يتحول إلى وهم؛ إذ نتصرف وكأن العقل آلة دقيقة لا تخطئ، بينما هو في الحقيقة محدود، متحيّز، ومتأثر بالعاطفة والخبرة السابقة والبيئة الاجتماعية. كم من قرارات “عقلانية” على الورق قادت إلى نتائج كارثية؟ وكم من حسابات دقيقة انهارت أمام حدث غير متوقع؟.
العالم اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى: أنظمة اقتصادية مترابطة، تكنولوجيا تتطور بوتيرة متسارعة، أزمات بيئية، وتفاعلات اجتماعية لا يمكن اختزالها في معادلات بسيطة. وهذا التعقيد لا يربكنا لأننا لا نفكر، بل لأن الواقع نفسه صار أكبر من قدرة الفرد على الإحاطة.
عقل الإنسان لم يُصمَّم للتعامل مع هذا المستوى من التشابك. نحن نفهم “الأجزاء”، لكننا نعجز عن الإحاطة بالصورة الكلية. لذلك نفاجأ دومًا بنتائج لم نحسب لها حسابًا، رغم ثقتنا بتحليلاتنا. والمفارقة أن الدماغ — رغم عظمته البيولوجية — يضم قرابة 86 مليار عصبون في تواصلٍ مستمر عبر كمٍّ هائل من الوصلات العصبية، ومع ذلك فإن وفرة هذه “القدرة الخام” لا تعني بالضرورة القدرة على الإحاطة الكاملة؛ لأن المشكلة ليست في العدد وحده، بل في طبيعة ما نحاول فهمه: واقع متغير، متشابك، وممتلئ بالمفاجآت.
ثم إن العقل لا يعمل في فراغ. هو محمّل بانحيازات معرفية: نرى ما نريد أن نراه، ونفسّر المعلومات بما يخدم قناعاتنا السابقة. نثق بالآراء التي تشبهنا، ونشكّك في غيرها. نبالغ في تقدير معرفتنا، ونقلّل من حجم ما نجهله. وهنا تكمن الخطورة: ليس في الجهل وحده، بل في الجهل الذي لا نعيه.
الاعتراف بعدم كفاية قدراتنا العقلية ليس دعوة لليأس، بل خطوة أولى نحو الحكمة. نحن بحاجة إلى:
• التواضع المعرفي: أن نقول «لا أعلم» دون خوف.
• التفكير الجماعي: فالعقول مجتمعة ترى ما تعجز عنه العقول الفردية.
• الحدس والقيم والأخلاق: فليست كل القرارات تُحسم بالحساب وحده.
• المرونة والتعلّم المستمر: لأن الثبات في عالم متغير نوع من العمى.
قدراتنا العقلية عظيمة، لكنها ليست مطلقة. هي أداة، لا حقيقة نهائية. وعندما ندرك حدودها، نبدأ لأول مرة باستخدامها بشكل أكثر نضجًا وإنسانية. فربما لا تكمن المشكلة في أن عقولنا ضعيفة، بل في أننا نطلب منها أكثر مما خُلقت له: أن تمنحنا يقينًا كاملًا في عالم لا يمنح اليقين.
أنا بدأت بتكبير عقلي… لأرى أكثر، لا لأعرف كل شيء.
* د.صالح سليم الحموري
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية