من يدفع كلفة الاستقرار في الأردن: المواطن أم الاقتصاد؟
د. حمد الكساسبة
15-02-2026 03:38 PM
يُقدَّم الاستقرار في الأردن غالبًا بوصفه مكسبًا بديهيًا لا يُناقَش، وشرطًا أساسيًا لحماية البلاد في محيط إقليمي مضطرب. غير أن السؤال الاقتصادي الذي نادرًا ما يُطرح هو: من يدفع كلفة هذا الاستقرار فعليًا؟ هل يدفعها الاقتصاد عبر سياسات تُقيِّد النمو، أم يتحمّلها المواطن عبر تراجع قدرته الشرائية وفرصه الاقتصادية، أم أن الكلفة موزّعة بطريقة غير متوازنة بين الطرفين؟
في الحالة الأردنية، كان الاستقرار خيارًا استراتيجيًا مفهومًا، لكنه لم يكن خيارًا مجانيًا اقتصاديًا. فطريقة إدارة الاستقرار وتمويله لعبت دورًا حاسمًا في تحديد من يتحمّل كلفته. وعندما يُدار الاستقرار عبر تشديد مالي متكرر، أو عبر توسّع ضريبي، أو عبر تأجيل إصلاحات هيكلية مؤثرة، فإن الكلفة لا تبقى عند حدود المالية العامة، بل تنتقل تدريجيًا إلى الاقتصاد الحقيقي، ثم تستقر في نهاية المطاف عند المواطن.
ويظهر أثر ذلك بوضوح في دخل الأسر. إذ تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن متوسط نمو الدخل الحقيقي للأسر في الأردن خلال السنوات الأخيرة بقي دون 1% سنويًا، وهو معدل لا يكفي لتعويض ارتفاع كلفة المعيشة. وهذا يعني أن جزءًا من كلفة الحفاظ على الاستقرار المالي انتقل فعليًا إلى دخل المواطن، دون أن يُعلن عنه بوصفه سياسة اقتصادية واضحة.
اقتصاديًا، لا يمكن فصل الاستقرار عن النمو. لكن في الأردن، كثيرًا ما جرى التعامل مع الاستقرار بوصفه هدفًا قائمًا بذاته، لا كأداة لتمكين النشاط الاقتصادي. ومع مرور الوقت، تحوّل الحذر المفرط في السياسات إلى عامل يبطئ اتخاذ القرار، ويحدّ من شهية الاستثمار، ويجعل الاقتصاد أقل قدرة على توليد فرص العمل. في هذه الحالة، لا يدفع الاقتصاد ثمن غياب الاستقرار، بل يدفع ثمن الإفراط في التحوّط.
ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في تأجيل حسم عدد من الملفات الاقتصادية المؤثرة، مثل ملف النقل العام الحضري. فعلى الرغم من وضوح أثره في تخفيض كلفة المعيشة ورفع إنتاجية العاملين، ظل التوسع فيه بطيئًا ومترددًا، ما أبقى كلف التنقل المرتفعة عبئًا يوميًا على المواطن، وأثرًا غير مباشر على كفاءة الاقتصاد ككل.
أما المواطن الأردني، فيشعر بالكلفة بشكل مباشر ويومي. فتراجع نمو الأجور، وارتفاع كلفة المعيشة، وضعف فرص العمل النوعية، كلها نتائج غير معلنة لسياسات هدفت إلى حماية الاستقرار المالي، لكنها لم تُواكب بإجراءات كافية لتحفيز النمو. ومع الوقت، يصبح الاستقرار مفهومًا مجردًا، بينما تتحول الضغوط المعيشية إلى واقع دائم، ما يخلق فجوة بين الخطاب الاقتصادي وتجربة المواطن اليومية.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل المواطن وحده هذه الكلفة، لأن الاقتصاد الأردني نفسه يتحمّل جزءًا كبيرًا منها. فالاستثمار الخاص يتردد، والمشاريع تتأجل، والقطاع الإنتاجي يعمل دون طاقته الكاملة، ليس بسبب غياب الفرص، بل بسبب بيئة اقتصادية تفضّل الانتظار على المبادرة. وهكذا، يدفع الاقتصاد كلفة الاستقرار عبر نمو أبطأ، بينما يدفع المواطن الكلفة عبر دخل أضعف وفرص أقل.
ومن هنا، فإن التحدي في الأردن لا يكمن في الاختيار بين الاستقرار والنمو، بل في إعادة تصميم السياسات بحيث لا يُموَّل الاستقرار من جيب المواطن أو على حساب حيوية الاقتصاد، بل عبر إصلاحات ترفع الكفاءة وتوزّع الكلفة بعدالة وشفافية.
وفي الخلاصة، الاستقرار في الأردن ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة. وعندما يُدار كغاية مستقلة، يدفع المواطن والاقتصاد الثمن معًا. أما عندما يُدار كأداة لدعم النمو والإنتاج، فإن كلفته تتحول إلى استثمار طويل الأجل ينعكس استقرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا حقيقيًا. فالاستقرار الذي لا يشعر المواطن بعائده، ولا ينعكس حركةً في الاقتصاد، يبقى ناقصًا مهما بدا متينًا على الورق.