facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




السردية الأردنية… وطن يكتب معناه


د. هيفاء ابوغزالة
15-02-2026 03:34 PM

في لحظةٍ يتسارع فيها تشويش الروايات وتتنافس فيها المنصّات على اختزال التاريخ إلى شعارات، يأتي العمل الجاري على «السردية الأردنية» بوصفه محاولةً واعية لاستعادة القصة الوطنية من ضجيج التبسيط، وإعادتها إلى مكانها الطبيعي: مرجعية علمية موثّقة، حاضرة في التعليم والإعلام والبحث، وقادرة على مخاطبة الأردنيين والعالم بلغةٍ دقيقة وواثقة.

ليست السردية الأردنية ترفًا فكريًا ولا تمرينًا أكاديميًا معزولًا عن الواقع، بل هي فعل وعيٍ وسيادة. ففي زمن تتكاثر فيه الروايات عن الأوطان وتتنافس المنصات على إعادة تعريف التاريخ والهوية، يصبح امتلاك القصة الوطنية ضرورة لا خيارًا.

أن نكتب سردية الأردن يعني أن نُمسك بمرآتنا بأيدينا، وأن نُعرّف أنفسنا بأنفسنا، لا أن نُترك لتفسيرات الآخرين أو لاختزال التجربة في عناوين عابرة.

فما فائدة كتابة سردية للأردن؟ فائدتها الأولى أنها تبني مرجعية جامعة، تُنظّم الذاكرة الوطنية في إطار علمي رصين، وتربط الأجيال بسياقٍ ممتد لا ينقطع. وهي ثانيًا تعزّز الهوية الجامعة، لا بوصفها شعارًا، بل بوصفها معرفة مشتركة تستند إلى الأرض والإنسان والتجربة التاريخية. وهي ثالثًا أداة قوة ناعمة؛ إذ لا دولة معاصرة تستطيع أن تخاطب العالم بثقة من دون رواية واضحة عن نفسها، عن نشأتها، وعن رسالتها، وعن موقعها في محيطها الإقليمي والدولي.

أما السؤال الأهم: من أين نبدأ؟
السردية الأردنية لا يمكن أن تبدأ من لحظة سياسية معاصرة فحسب، ولا أن تُختزل في قرنٍ واحد. إن عمق الأردن التاريخي يفرض أن تمتد الرواية إلى جذور الأرض ذاتها؛ إلى الحضارات التي تعاقبت على ترابه، إلى الأنباط والرومان، إلى الممالك العربية والإسلامية، إلى التحولات الاجتماعية والثقافية التي صاغت شخصية الإنسان الأردني عبر القرون. ثم إلى لحظة التأسيس الحديثة مع الدولة الأردنية، فمرحلة البناء، فالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي رسّخت مؤسسات الدولة ووسّعت أدوارها إقليميًا ودوليًا. فالسردية الحقيقية لا تقطع الزمن، بل تصله.

وماذا نستفيد منها؟
نستفيد أولًا وضوحًا في الرؤية. حين يعرف الشباب قصة وطنهم كاملة، بإنجازاتها وتحدياتها، يصبح الانتماء فعل معرفة لا مجرد عاطفة. ونستفيد ثانيًا استقرارًا في الخطاب العام؛ إذ تتحول السردية إلى مرجع يستند إليه التعليم والإعلام وصانع القرار. ونستفيد ثالثًا قدرة على مواجهة التشكيك والتشويه؛ فالرواية الموثّقة علميًا أقوى من الشائعة، وأبقى من التأويل العابر.

أما الهدف الأعمق، فهو الانتقال من “توثيق الماضي” إلى “استشراف المستقبل”. فالسردية ليست كتابًا يُغلق، بل رؤية تتجدد. هي إطار يُسهم في رسم السياسات الثقافية والتعليمية، وفي تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وفي بناء صورة الأردن كدولة راسخة الجذور، واضحة الهوية، منفتحة على العصر. وقد تكون الخطوة اللاحقة تحويل هذه السردية إلى مشاريع معرفية وثقافية حية: مناهج دراسية، منصات رقمية، أعمال وثائقية، وربما متحف وطني يروي قصة الأردن بأساليب حديثة تتفاعل مع الجيل الجديد.

وفي النهاية، ليست السردية الأردنية كتابًا يُضاف إلى الرفوف، ولا وثيقةً تُحفظ في الأرشيف، بل هي عهدٌ متجدد بين الوطن وأبنائه. هي إعلان وعيٍ بأن الأردن ليس مجرد جغرافيا، بل معنى ممتد في الزمن، تشكّل عبر الحضارات، وترسّخ مع الدولة، ويتجدد مع كل جيل. فإذا أُحسن بناؤها، ستصبح السردية بوصلةً للقرار، ومرجعيةً للمعرفة، وجسرًا بين الماضي والمستقبل. إنها لحظة يختار فيها الوطن أن يروي قصته كاملة، بثقةٍ ومسؤولية، ليقول للعالم: هذا نحن… وهذه حكايتنا كما نعرفها ونصوغها ونمضي بها إلى الغد.

إن كتابة السردية الأردنية ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي تثبيتٌ للأقدام قبل الانطلاق إلى المستقبل. هي إعلان أن الأردن، بتاريخ أرضه وصلابة دولته ووعي شعبه، يكتب قصته بيده، ويصوغ معناه بنفسه، ويمنح أجياله القادمة ذاكرةً تُلهم، لا مجرد وقائع تُحفَظ.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :