عند عتبة 2026: الكرامة أولا… أو لماذا لا يصنع المستقبل من يؤجله؟
د. أميرة يوسف ظاهر
03-01-2026 11:39 AM
في فجر عام 2026 لا تدخل المجتمعات العربية عاما جديدا بقدر ما تقف أمام لحظة فرز تاريخية، في عالم يتغير بسرعة تتجاوز قدرة النماذج التقليدية على الفهم، واقتصاد عالمي يعيد تشكيل قواعد القوة، وتقنية لم تعد أداة بل بيئة كاملة نعيش داخلها، وسط هذا المشهد تبدو المنطقة العربية وكأنها تسير على حدين: حد التحديات الهيكلية الثقيلة التي تراكمت عبر عقود، وحد الفرص التحويلية الهائلة التي ما زالت قيد الإمكان لا الفعل. هنا لا تكفي قراءة المؤشرات، ولا الاطمئنان إلى نسب النمو، فالسؤال الأعمق لم يعد: ماذا سيحدث لنا؟ بل: من سنكون ونحن نواجه ما سيحدث؟
اقتصاديا تظهر توقعات المؤسسات الدولية نموا عربيا ملحوظا في 2026، تقوده اقتصادات الخليج في ظل تباطؤ نسبي عالمي، غير أن النمو حين يفصل عن العدالة والقدرة على توليد الفرص يتحول إلى رقم بلا روح. فارتفاع الدين العام، واتساع الفجوة بين الاقتصادات العربية، وهشاشة أسواق العمل في دول عدة، تكشف أن المعضلة ليست في شح الموارد بل في نماذج الإدارة المؤجلة للمستقبل، والنمو الحقيقي ليس ما يقاس بالناتج المحلي، وإنما ما يقاس بقدرة الإنسان على العمل الكريم والتعلم المستمر والمشاركة في صناعة القيمة.
ومن هنا يتقدم التعليم بوصفه المعركة الحاسمة في 2026، إذ يدخل العالم مرحلة يصبح فيها رأس المال البشري هو العامل الفاصل بين الدول الصاعدة وتلك العالقة في الهامش، لم تعد الشهادة ضمانة ولم يعد الحفظ مهارة، بينما يفرض الذكاء الاصطناعي إعادة تعريف العمل ذاته، فبعض الدول بدأت هذا التحول بجرأة، كما في نماذج تعليمية ربطت تمويل الجامعات بمدى توظيف خريجيها، وأعادت تصميم المناهج عن مهارات التفكير والتحليل وحل المشكلات بدل تراكم المحتوى، وهذه السياسات حين تدار بذكاء لا تخلق عمالة أكثر فحسب، بل تخلق ثقة متبادلة بين التعليم والاقتصاد. والسؤال العربي هنا واضح وقاس: هل نعيد هندسة التعليم ليقود التنمية، أم نتركه شاهدا على فجوة تتسع بين ما نعلمه وما نحتاجه؟
في موازاة ذلك تفرض الثورة التقنية نفسها كأعمق تحول حضاري معاصر، فالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والواقع الممتد، لم تعد كماليات بل بنية تحتية للحياة اليومية. غير أن الخطر لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في طريقة تبنيها، وأن نستورد الحلول دون أن نشارك في تصميمها يعني استبدال تبعية بأخرى أكثر تعقيدا، أما الفرصة الحقيقية فتكمن في توظيف التقنية لخدمة الإنسان لا استهلاكه، وجعلها أداة لتعزيز الكرامة الإنسانية لا لتقليصها، حين تستخدم التقنية لتحسين جودة التعليم، وتسهيل الوصول إلى الصحة، وتوسيع فرص العمل الكريم، فإنها تتحول من رمز للهيمنة إلى رافعة للتحرر.
وهنا تبرز الإضافة العربية الممكنة في عالم يزداد تسارعا وبرودة، ففي سباق الكفاءة والربحية يمكن للنموذج العربي أن يقدم معنى مغايرا للتنمية، حين تعامل الكرامة الإنسانية كأصل تنموي لا كمكافأة لاحقة. تنمية ترى في الإنسان غايتها لا وسيلتها، وفي جودة الحياة معيارا للنجاح لا مجرد النمو المجرد، هذه ليست عودة إلى الماضي بل استثمار ذكي في قيم قادرة على موازنة عالم يوشك أن يفقد بوصلته الأخلاقية.
عام 2026 في جوهره ليس عاما للتنبؤ بل للاختيار، إما أن نظل نقرأ تقارير الآخرين عن مستقبلنا، أو نمتلك الجرأة لصياغة رؤيتنا الخاصة، المستقبل لا يمنح بل ينتزع بالوعي، ويبني بالتعليم الحي والسياسة الجريئة، والتقنية التي تخدم الإنسان لا تستبدله. والسؤال الذي يفرض نفسه، لا على الدول وحدها بل على كل فرد: أمام هذه العتبة الحضارية، أي دور تختار أن تلعبه أنت شخصيا… شاهدا على التحول، أم شريكا في صناعته؟