facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




واقع المرأة… مرآة الإصلاح


م. عامر البشير
27-02-2026 08:40 PM

تمكين يتقدّم في النصوص… ويتعثّر في الواقع

اتناول موضوع تمكين المرأة في مقالتين في اقلّ من اسبوع، ليس القصد مجادلة الرواية الرسمية، ولا إنكار ما تحقق على مستوى التشريع والمؤشرات، فالقوانين تحسّنت فعلًا، والتقارير الدولية سجّلت تقدّماً ملموساً، وأصبحت اللغة الإصلاحية أكثر حضوراً في الخطاب العام.

لكن الحقيقة الأعمق لا تُقاس بما يُكتب في النصوص، بل بما يتغيّر في الواقع المعيشي، فنادرًا ما تنشأ أزمات الدول من نقصٍ في القوانين؛ إذ باتت الدول الحديثة قادرة على إنتاج تشريعات تبدو متقدمة ومتوازنة ومتوافقة مع المعايير الدولية.

غير أن الاختبار الحقيقي لا يبدأ داخل قاعات التشريع، بل لحظة خروج القانون إلى الحياة اليومية.

هناك فقط… يُقاس الإصلاح.
فالقانون لا تُحدَّد قيمته بجمال صياغته، بل بقدرته على التحوّل إلى فرصة عمل حقيقية، واستقرار وظيفي ملموس، وحرية فعلية تمكّن الفرد من اتخاذ قرارات حياته دون عوائق خفية أو خوف مؤسسي.

ولهذا لم يكن تقرير البنك الدولي حول المرأة وأنشطة الأعمال والقانون 2026 مجرد تقييم تقني، بل قراءة أعمق تكشف فجوة متكررة في كثير من الدول النامية: تقدّم تشريعي يقابله تطبيق محدود على أرض الواقع، فالمسألة هنا ليست قانونية فقط، بل تتعلق بطبيعة الدولة نفسها حين تتقدّم الإرادة التشريعية أسرع من قدرة المؤسسات على التنفيذ.

حين يصبح التشريع إنجازاً رمزياً

شهد الأردن خلال السنوات الأخيرة تطويراً مهماً في التشريعات المرتبطة بتمكين المرأة اقتصادياً؛ تعديلات في قوانين العمل، وتوسيع أدوات الحماية، وترسيخ مبادئ المساواة ضمن إطار يبدو متقدماً إقليمياً.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى: كيف تتحسّن المؤشرات الدولية بينما تظل مشاركة المرأة الاقتصادية منخفضة؟

هنا تظهر المفارقة الأساسية؛ فالتشريع وحده لا يصنع تحولاً اجتماعياً أو اقتصادياً، وعندما يتحوّل القانون إلى غاية بحد ذاته، يصبح الإصلاح إنجازاً شكلياً يُعلن عنه أكثر مما يُعاش أثره.

بين دولة النص ودولة الواقع
في كثير من الأحيان، تعيش داخل الدولة منظومتان متوازيتان: دولة القوانين، ودولة الممارسة، الأولى تفتح الحقوق نظرياً، والثانية تحدد إمكانية استخدامها فعلياً، فالمرأة لا تدخل سوق العمل لأن القانون يسمح بذلك فقط، بل عندما تصبح كلفة العمل أقل من كلفة البقاء خارجه، وهنا تكمن المفارقة الأردنية: القانون يفتح الباب .. لكن الواقع يضع خلفه متاهة.

نقل عام غير آمن أحياناً، زمن التنقل وزمن الانتظار دون المعايير، نقص خدمات الرعاية، بيئات عمل غير مرنة، وتعقيدات إدارية تجعل الاستمرار المهني تحدياً يومياً صامتاً، هذه ليست فجوة قانونية… بل فجوة منظومية.

وهم الإصلاح السريع
أحد أكثر الأخطاء شيوعاً هو الاعتقاد بأن الإصلاح يتحقق بإصدار القوانين، فالإصلاح الحقيقي ليس لحظة تشريعية، بل مسار مؤسسي طويل ينتقل بالدولة من إعلان الحقوق إلى ضمان ممارستها.

اليوم لم تعد الدول تُقيَّم بما تشرّعه، بل بما تنفّذه، فالقانون الذي لا يصل إلى حياة الناس يتحوّل مع الوقت إلى وعدٍ مؤجّل — موجود نظرياً وغائب عملياً.

اقتصاد ينتظر نصف طاقته
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن رفع مشاركة المرأة الاقتصادية قد يزيد دخل الفرد في الأردن بنحو 30٪، وهذه ليست مسألة اجتماعية فقط، بل ضرورة اقتصادية خالصة، فنصف القدرة الإنتاجية في المجتمع ما يزال غير مستثمر بالكامل، وكل طاقة معطّلة تمثل خسارة تنموية صامتة تتحملها الدولة والاقتصاد معاً.

المشكلة ليست في القانون… بل في المسافة
التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في نقص التشريعات، بل في المسافة الفاصلة بين النص والتجربة اليومية، مسافة تصنعها: البيروقراطية، ضعف التنسيق المؤسسي، وبطء التغيير الهيكلي، وفي هذه المسافة تتحوّل الحقوق من ضمانات مؤكدة إلى احتمالات غير مستقرة، ويتراجع معها الإيمان بجدوى الإصلاح نفسه.

نحو إصلاح يُعاش… لا يُعلَن
الدول التي نجحت في تمكين مواطنيها لم تبدأ فقط بقوانين أفضل، بل بإزالة العوائق غير المرئية أمام تطبيقها، فالسؤال الحقيقي للإصلاح ليس: هل عدّلنا القوانين؟، بل: هل تغيّرت حياة الناس فعلاً؟، الدولة القوية ليست التي تعلن الحقوق، بل التي تجعل ممارستها أمراً طبيعياً لا يحتاج إلى استثناء أو شجاعة.

لقد تحقق تقدّم تشريعي حقيقي، وتسجّل المؤشرات الدولية تحسناً واضحاً، لكن الواقع يكشف حقيقة أعمق: تمكين المرأة ما يزال يتقدّم على الورق أسرع مما يتقدّم في الاقتصاد الحقيقي، واليوم لم يعد تأخر التمكين قضية اجتماعية فقط، بل خسارة وطنية في الإنتاج والفرص والنمو، فالمشكلة لم تعد في القوانين،
بل في المسافة بين النية السياسية وقدرة المؤسسات على التنفيذ.

المؤشرات الدولية تقيس إمكانية الإصلاح .. أما الواقع فيقيس أثره، ويبقى السؤال الحاسم:
ليس ماذا أصلحنا في النصوص، بل لماذا لم يصل الإصلاح بعد إلى الواقع الملموس؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :