شيخ بلا عزوة قلّت مراجيله ..
محمود الدباس - أبو الليث
03-01-2026 02:32 PM
شيخ بلا عزوة قلّت مراجيله.. ليست مجرد مثل عابر.. بل خلاصة تجربة بشرية قديمة بحجم التاريخ..
فالشيخ في عرف القبائل.. لا يُصنع بالوراثة وحدها.. ولا تُمنح له الهيبة بالاسم.. أو السيف.. وإنما تُنسج حوله حين يكون عادلاً.. قريباً من ربعه.. حاملاً همومهم كما يحمل اسمه.. يؤمن بما يؤمنون به.. ويشعرون أنه واحد منهم لا فوقهم.. عندها فقط يلتفون حوله.. لا لأنهم مأمورون.. بل لأنهم مطمئنون.. فيفتدونه بأرواحهم لأن الطعنة التي تصيبه ستصل إليهم جميعاً.. وحين يُحارب الشيخ العادل.. لا يُحارب شخصاً.. بل يُستفز كيان كامل يعرف لماذا يقف وأين يقف..
ومن يقرأ تاريخ الأمم.. يدرك حقيقة لا تقبل الجدل.. لم نسمع يوماً عن قوة مهما بلغت سطوتها.. تدخل بلداً لتُبيد الحاكم والشعب معاً.. الخارج لا يتحرك بدافع الجنون.. بل بذريعة جاهزة.. إما حماية نظام موالٍ يخدم مصالحه.. أو حماية شعب من حاكم ظالم فقد شرعيته في عيون قومه.. وفي الحالتين لا تُخلق الذريعة من فراغ.. بل تنبت في تربة الانقسام الداخلي.. حين يتفكك الصف.. ويضيع الانسجام بين الحاكم والمحكوم.. ويشعر الناس أن الدولة لم تعد تشبههم ولا تمثلهم.. عندها يصبح البلد مكشوف الظهر.. وتتحول السيادة إلى شعار هش يسقط مع أول ضغط خارجي..
ما حدث في فنزويلا اليوم.. من ضرب للبلد.. واقتياد رئيسه وزوجته إلى خارج البلاد.. ليس حادثة معزولة.. ولا مفاجأة للتاريخ.. بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الانهاك.. اقتصاد متعب.. شعب مثقل بالأزمات.. سلطة فقدت ثقة قطاعات واسعة من مواطنيها.. ومعارضة تبحث عن أي نافذة للخلاص..
وعندما تتكسر الجبهة الداخلية.. لا يعود الخارج بحاجة لاختراع مبررات.. فالشرخ وحده يكفي ليُفتح الباب.. وتتحول الدولة إلى ساحة صراع تتنازعها الإرادات الدولية.. بينما يدفع الشعب الثمن وحده.. سواء فرِح.. أو غضِب.. فكلاهما لا يغير حقيقة أن القرار خرج من الداخل.. قبل أن يدخل من الخارج..
وهنا لا تكون العظة من باب التنظير الفكري.. بل ضرورة وطنية..
فالالتفاف حول الحاكم العادل.. ليس تملقاً.. بل درع أمان..
وابتعاد الأنظمة والحكومات عن الفساد ليس خياراً تجميلياً.. بل شرط بقاء..
واللُّحمة الوطنية ليست خطاباً عاطفياً.. بل حصن حقيقي أقوى من الجيوش والأسلحة..
فالدولة التي يتماسك شعبها مع قيادتها.. وتُغلق أبواب الظلم والفساد من داخلها.. لا تجد القوى الخارجية فيها ثغرة للتدخل مهما بلغت قوتها.. أما الشيخ بلا عزوة.. والدولة بلا لُحمة.. فمهما علا صوتها.. ستبقى مكشوفة.. تنتظر أول ريح لتسقط..