هل أصبح الـ 1% خارج الحساب؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
05-01-2026 11:26 PM
هناك أرقام صغيرة نمرّ بها باستخفاف.. نقرأها على الهامش.. أو نعتبرها فائض حساب لا يغيّر النتيجة.. لكنها في الواقع قادرة على قلب المشهد كله.. إذا أُخذت بجدّية..
هي تلك النسبة الضئيلة التي لا نحب الاعتراف بوجودها.. لأنها تفسد إحساس الاكتمال.. وتزعج يقيننا المريح.. فنفضّل تجاهلها.. لا لأنها بلا أثر.. بل لأن أثرها إن حضر.. أجبرنا على التوقّف.. والمراجعة.. وربما إعادة الحساب من جديد.. وهذه بالضبط هي اللحظة التي يهرب منها كثيرون دون أن ينتبهوا..
فنحن لا نختلف لأن الحقائق نادرة.. بل لان الكثيرين للأسف لا يبحثون عنها.. ولأن الزوايا التي ننظر منها مزدحمة.. كل واحد يقف عند حافة ما يراه كاملا.. ويتمسك به.. وكأنه آخر ما تبقى له من يقين.. فنرفع آراءنا إلى مستوى الدفاع.. ونحمل قناعاتنا كسلاح.. لا كأداة فهم.. وننسى أن الأفكار لا تولد مكتملة.. وأن أكثرها صدقا ذاك الذي يسمح بالاقتراب منه لا بالاصطدام به..
في لحظة النقاش.. يتحول الحوار إلى اختبار قوة.. مَن يعلو صوته أكثر.. مَن يملك جملة أقسى.. مَن يغلق الدائرة أسرع.. لا بحثا عن الحقيقة.. بل هروبا من مراجعتها.. وكأن الاعتراف بإمكانية الخطأ عيب.. أو كأن التراجع خطوة إلى الوراء لا قفزة إلى الأمام.. فنشيّد جدرانا عالية حول ما نؤمن به.. ونكتشف متأخرين أننا حاصرنا أنفسنا.. قبل أن نحاصر الفكرة..
ومن هنا يبدأ الخلل.. حين نخلط بين القناعة والقداسة.. وبين الرأي والهوية.. فيغدو الاختلاف تهديدا.. لا فرصة.. ويصبح السؤال خصومة.. لا طريقا للفهم.. وحينها فقط.. نفهم لماذا تتشابه النقاشات.. وتتعطل العقول.. وتبقى الحقيقة واقفة في المنتصف.. بلا مَن يقترب منها بهدوء..
فتجدنا نهرب من الـ 1%.. لأننا نخاف الشك أكثر مما نخاف الخطأ.. ولأن الاعتراف باحتمال ضئيل يخالف قناعتنا يهز صورة اليقين التي رسمناها لأنفسنا..
فنحن نحب الآراء المكتملة.. الجازمة.. التي لا تحتاج مراجعة.. ولا تعترف بفراغ صغير قد يتسلل منه سؤال أو احتمال..
مع أن المهنية الحقة لا تولد إلا من رحم هذا الفراغ بالذات.. من تلك المساحة الصغيرة التي تقول لنا بهدوء.. إن الحقيقة أوسع من زاوية واحدة.. وإن اكتمالها يحتاج تواضعا قبل أن يحتاج علما..
عندما نحلل أمراً.. أو نصدر حكماً.. أو نقرر موقفاً.. نظن أننا أحطنا بكل التفاصيل.. وأن الصورة باتت واضحة لا غبار عليها.. فنغلق الأبواب أمام أي احتمال مخالف.. ولو كان ضئيلا بحجم 1%..
عندها يتحول الرأي من اجتهاد.. إلى عقيدة.. ومن قناعة.. إلى معركة.. فنغضب ممن يخالفنا.. ونتشنج أمام أي زاوية أخرى.. وننسى أن أعظم قاعدة عقلية قيلت هي.. أن رأيي صواب يحتمل الخطأ.. ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.. وننسى قبل ذلك كله.. أن الكمال في الفهم ليس من شأن البشر.. وأن المعصوم وحده مَن أيّده رب العالمين في الشرائع.. وحتى في التاريخ الإسلامي نجد أن الحوار كان قائما.. وأن الاجتهاد كان مفتوحا.. وأن تغيير الرأي لم يكن ضعفا.. بل دليلا على نضج العقل واتساعه..
غياب الـ 1% يجعلنا نرى الأمور بسطحية قاسية.. فنحاكم الناس من خارج المعمعة..
وننسى أن مَن يقف في قلب الحدث.. يرى ما لا يراه المتفرج..
وأن الانغماس في التفاصيل.. قد يقود أحيانا إلى زوايا غير متوقعة.. لا لأنها خاطئة بالضرورة.. بل لأنها وليدة معطيات لا تصل لمن ينظر من بعيد..
لذلك فإن النقد الحقيقي لا يكون بالصراخ.. ولا بالرفض الغريزي.. بل بالتحليل الهادئ.. المستند إلى وقائع وأدلة.. لا إلى جملة جاهزة من نوع هكذا أرى وفقط..
وكم نظلم غيرنا حين نستخف بما يقدمونه.. متناسين أنهم أمضوا وقتا طويلا في البحث.. والتمحيص.. وربط الخيوط.. ليضعوا أمامنا خلاصة جاهزة.. فيأتي مَن يظن أنها طُبخت على عجل.. فيرد عليها بردة فعل لا علاقة لها بالعلم.. ولا بالتحقق.. بل برغبة دفينة في المعارضة لمجرد المعارضة.. أو بقناعة مهزوزة.. لم تُبنَ على أساس معرفي متين.. ولو أننا وضعنا احتمال الـ 1% لصالح ما نتلقاه قبل إطلاق الأحكام.. لوفّرنا على أنفسنا كثيرا من الضجيج.. وكثيرا من الظلم الفكري..
المؤلم حقاً أن تبني رأيا على أساس محدد.. فيأتيك مَن يقلب النقاش كله على أساس مختلف تماما..
فيختلط القانون بالعادات.. والمنطق بالعاطفة.. والوقائع بالانطباعات..
مع أن أبسط قواعد الحوار تقول.. لا تخلط بين القرايا والسرايا..
فمن يناقشك بالقانون.. ناقشه بالقانون.. ومَن يحاورك بالعادات والتقاليد.. قيّمه ضمن هذا الإطار..
ومَن لا يتحدث إلا من منظور الدين.. فلا تحاول إقناعه إلا بما جاء به الدين..
أما القفز بين المرجعيات.. فهو هروب آخر من الـ 1%.. لأن الاعتراف باختلاف الأساس يفرض علينا إعادة النظر.. لا مجرد الدفاع الأعمى..
ولعل أخطر ما نعيشه اليوم.. ليس انتشار أنصاف المثقفين.. بل أرباع المثقفين.. أولئك الذين سمعوا مقولة مبتورة.. أو قرأوا جزءا من كتاب.. دون أن يفهموا مغزاه العميق.. أو يربطوه بسياقه الكامل.. فيصدرون أحكاما قاطعة من فهم مجتزأ.. وكأن الحقيقة يمكن أن تُختزل في سطر.. أو فكرة معزولة.. وهنا يصبح الـ 1% عدوا يجب إنكاره.. لأنه يهدد البناء الهش الذي أقيم على عجل..
الـ 1% ليس ضعفا في الرأي.. بل صمام أمان للعقل.. هو المساحة التي تتيح لنا التراجع حين نخطئ.. والتعلم حين نُفاجأ.. واحترام غيرنا حين يختلف معنا.. هو المخرج الوحيد من التعنت.. والجسر الذي يعبر بنا من ضيق اليقين.. إلى سعة الفهم.. فما الذي يضيرنا أن نترك نافذة صغيرة مفتوحة للضوء؟!.. وما الذي نخسره إن اعترفنا.. أن الحقيقة قد تكون أوسع منا جميعا؟!..