"عند الصوفية حين يجتمع القلب والعقل.. فلسفة إعادة كتابة الذات عند السالك إلى الله"
في زوايا النفس البشرية ، حيث يختلط النور بالظل ، والخوف بالرجاء ، يقف الإنسان بين العقل والقلب ، باحثًا عن معنى ، عن خلاص ، عن طريق يعبر به إلى الله دون أن يضيع ذاته في الطريق.
في الفكر الصوفي ، لا يُطلب من الإنسان أن ينسلخ عن دنياه ، بل أن يعيد كتابتها ، أن يُربّي نفسه لا أن يقمعها ، أن يسمو بها لا أن يفارقها ، وهنا تبدأ الرحلة.
العلم نور... لكنه لا يكفي
يقول الله تعالى: "إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ" [فاطر: 28]، وليس المقصود بالعلماء هنا أصحاب الشهادات فقط ، بل من حملوا العلم بخشوع ، فسار بهم إلى معرفة الله ، لا إلى الزهو بالنفس.
العقل في طريق السالك هو المصباح الأول ، يضيء المعاني ، ويكشف الغايات ، لكنه وحده لا يُشعل القلب. قد يعرف الطريق لكنه لا يَسلكه |، ومن
هنا تأتي الحاجة إلى القلب... إلى الذوق.
القلب / ذوق وسلوك
القلب لا يتكلم بالمنطق ، بل بالوجدان ، فيه تُسكب التجارب ، وتُولد البصائر ، حين يُصاب الإنسان بمصيبة ، لا يسأل : "ما سببها؟" بل يشعر : "ما أثرها؟"
يقول ابن عطاء الله في لطائف المنن:
"من لم يعرف قدر النعمة في البلاء، فقد جَهِل الله في عطائه وابتلائه."
فكم من مصيبةٍ كشفت ذاتًا ، وكم من ضيقٍ فتح باب معرفة ، وكم من حرمانٍ كان عين العطاء.
إعادة كتابة الذات : رحلة في أربع محطات
الذات التي تنكسر، لا تفنى ، بل تُعيد كتابة نفسها. وهذه الرحلة الصوفية يمكن تلخيصها في أربع مراحل متداخلة:
1. الذكرى (المحاسبة):
أن تجلس مع نفسك ، بلا مجاملات ، تتأمل أين كنت ، وماذا فعلت ، ومن أصبحت.
2. إعادة البناء (التوبة والنية):
ليست التوبة مجرد ندم ، بل نية جديدة ، اختيار واعٍ للعودة إلى الطريق ، قرار بالبدء من جديد.
3. تحمّل الألم (الرضا والصبر):
في الطريق ، سيؤلمك التغيير ، سيشتد عليك الصمت ، وتشتاق إلى ما اعتدت عليه. هنا يُطلب منك الصبر... والرضا.
4. التفتّح (الشكر والتسليم):
بعد كل ذلك ، تبدأ في رؤية المعنى ، لا لأن الأشياء تغيرت ، بل لأنك تغيرت. فتشكر... وتُسلّم.
فلسفة السلوك : لا تهرب من ذاتك
ليس المطلوب في التربية الإيمانية أن تترك الدنيا ، بل أن تتعامل معها دون أن تُستَعبد لها . أن تعيش بذاتك ، لا أن تهرب منها.
السالك إلى الله لا يخاف من مواجهة نفسه ، ينظر في المرآة ، ويرى ما فيها دون تزويق. لا يبحث عن الكمال ، بل عن الصدق.
وهنا تُولد الذات الجديدة:
ذاتٌ عرفت من كانت، وقررت أن تكون ما تريد، بما يُرضي الله.
خاتمة: بين نور العقل ودفء القلب
في النهاية ، لا عقلٌ دون قلب ، ولا قلبٌ دون عقل ، التربية الإيمانية ليست معادلة جامدة ، بل سلوك حي ، يتنقل بين الفكر والشعور، بين العلم والتجربة.
وحين يُضيء العقل الطريق، ويُدفئ القلب الخطى...
حينها فقط ، يبدأ السالك في كتابة ذاته من جديد ، على صفحات النور، وبمداد المحبة ، في حضرة الحق .
(في الحقيقة انا اقصد الصوفية النقية من كل مظاهر القفز فوق الموروث شرعا عن اصحاب الصفة و صحابة رسول الله عليه اافضل الصلاة و اتم التسليم وطريقتها بعيدة عن الغلو اوالتمييغ).
حمى الله قلوبكم و عقولكم ومهد لكم السلوك الى حضرة الحق ، ومتعكم بالذوق و دفىء القرب ورضى الله تبارك وتعالى ، اللهم قربنا و لاتبعدنا ولا تحرمنا من الوصل اليك لنحضى بطيب الحضرة و السعادة بالقاء.