مجلس الأعيان: ليس منصّة عبور للمناصب بل مسؤولية وطنية
د. حسين سالم السرحان
09-01-2026 02:36 AM
يُشكّل مجلس الأعيان في النظام الدستوري الأردني أحد أعمدة التوازن السياسي والتشريعي، وهو ليس مجلسًا تشريعيًا بالمعنى الإجرائي فحسب، بل مجلس حكمة وخبرة، وبيت مشورة للملك، ومرآة نضج الدولة في اختيار رجالها ونسائها القادرين على الإضافة، لا الاكتفاء بالرمزية.
ولكونه مجلس الملك، فإن اختيار أعضائه لا ينبغي أن يُقاس بالمناصب السابقة أو الرتب التي شغلها المرشحون، بقدر ما يُقاس بقدرتهم الحقيقية على أداء دورهم بوصفهم عقولًا راجحة، وأصواتًا متزنة، وشخصيات عامة تمتلك عمق الفهم وبعد النظر.
إن من أهم شروط العين أن يكون صاحب اتزان فكري وأخلاقي، قادرًا على قراءة الواقع دون انفعال، وتقديم الرأي دون تحيّز، والجمع بين النص الدستوري وروح الدولة.
فالحكمة لا تُستمد من الموقع السابق، بل من التجربة المتراكمة، والقدرة على التحليل، والاستعداد لتحمّل مسؤولية الرأي أمام الله والوطن والملك.
كما أن الخبرة المطلوبة في عضو مجلس الأعيان ليست خبرة إدارية أو وظيفية فحسب، بل خبرة في الشأن العام، وفهم المجتمع، واستيعاب التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ خبرة تُترجم إلى مواقف متوازنة، وتشريعات رصينة، ونقاشات تُغني ولا تُجامل.
وقبل كل ذلك، تبرز القدرة الشخصية على النهوض بالواجبات المهنية للمجلس: الالتزام، والجدية، والاستقلالية في التفكير، وعدم التعامل مع عضوية المجلس كمحطة شرفية، أو مكافأة نهاية خدمة، أو بوابة للانتقال إلى موقع آخر؛ فمجلس الأعيان ليس منصّة عبور، بل موقع مسؤولية عليا.
ومن هنا، فإن الحكمة تقتضي الابتعاد عن جعل الرتبة العسكرية أو السلك الدبلوماسي معيارًا أساسيًا للاختيار. فمع كامل الاحترام لتلك المؤسسات الوطنية ودورها الكبير، إلا أن طبيعة العمل العسكري والدبلوماسي تقوم على الانضباط والتنفيذ والتمثيل،
بينما يقوم عمل مجلس الأعيان على الجدل التشريعي، والنقاش المفتوح، والاجتهاد الفكري المستقل، وهي مهارات لا تُفترض تلقائيًا بحكم الموقع السابق.
إن الدولة القوية هي التي تُحسن التمييز بين ميادين الخدمة المختلفة، وتضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وفقًا لمتطلبات الدور، لا لسيرته الوظيفية فقط.
وفي المحصّلة، فإن مجلس الأعيان، بوصفه مجلس مستشاري الملك، يحتاج إلى شخصيات تؤمن بالدولة لا بالذات، وبالمؤسسة لا بالمكانة، وبالخدمة لا باللقب؛ شخصيات تضيف قيمة فكرية حقيقية للنقاش الوطني، وتُسهم في ترسيخ الاستقرار، وتعكس صورة الدولة الحكيمة التي تبني مستقبلها بالعقل لا بالمجاملة.
فحكمة الاختيار هي أول ضمانة لحكمة القرار، ومجلس الأعيان أحد أهم مفاتيح هذه الحكمة.
وما زال ميزان العدالة في اختيار بعض الأعيان مختلًا،
مجلس جلالة الملك يريد وعيًا .. وسعة اطلاع وقبولًا
والله أعلم..