«يحكى أن أخطر الظلال هو ذاك الذي يتغيّر ليبدو صوابًا»
د. ثروت المعاقبة
09-01-2026 11:30 AM
في قريةٍ صغيرةٍ تحيط بها الجبال الشاهقة، كان يعيش شيخٌ عُرف بين الناس بالحكمة والرأي السديد؛ لا يرفع صوته، ولا يبالغ في الوعظ والإرشاد، بل يعلّم الناس من خلال مواقف بسيطة، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى في الذاكرة.
كان الناس يقصدونه من كل مكان، لا ليفهموا الدين فحسب، بل ليفهموا أنفسهم أيضًا.
وفي أحد أيام الشتاء الباردة، اجتمع حوله مجموعةٌ من الشباب، يسألونه عن أسرار الحياة، ولماذا تتعرّج الطرق بالناس قبل أن تبلغ غاياتها.
ابتسم الشيخ، وقال لهم:
«الحكمة لا تُعطى دفعةً واحدة، بل يجب أن تعيشوا اللحظة لكي تفهموا أسرار الطريق وسبل الخلاص. سأقصّ عليكم ثلاثة مواقف… احفظوها وافهموها جيدًا، فهي مرتكزٌ لكل من أراد أن يعيش بقلبٍ واعٍ في هذه الحياة القاسية».
اصطحبهم الشيخ إلى حافة الجبل عند غروب الشمس،وأشار إلى الشمس التي بدأت تتوارى خلف قمته الملتوية، وقال:
«هل ترون كيف ينحني الضوء قبل أن يصل إلينا؟
لو ظلّ مستقيمًا كما خُلق، لما رأيناه بهذا الجمال الساحر».
ثم التفت إليهم وقال:
«كذلك الإنسان؛
حين ينحني الإنسان تحت ثقل التجربة، لا يعني أنه انكسر، بل إنه يهيّئ روحه ليصل، كما يصل الضوء إلينا بزاويةٍ أجمل».
ففهموا أن الانحناء ليس ضعفًا، بل حالةٌ من حالات الارتقاء والسمو.
ثم أخذهم الحكيم إلى نهرٍ صغير يتلوّى بين الصخور الصغيرة والكبيرة.
كان الماء يجري ببطء، يتعثّر هنا، ويهدأ هناك، لكنه لا يتوقف عن الجريان.
قال الشيخ:
«هذا الماء لا يكره الصخر الذي يعرقل طريقه، ولا يلعن الحجارة التي تغيّر مساره طوال الوقت؛ لأنه يعرف أن الصبر وحده يكفي ليشقّ طريقه».
ثم غمس يده في الماء وقال:
«لو كان الماء عجولًا، لتكسّر.
ولو كان يائسًا، لتبخّر.
الصبر… هو القوّة التي لا يراها الناس، لكنها تغيّر كل شيء».
فأدركوا أن الصبر ليس أن تنتظر، بل أن تستمرّ وتسعى دون ضجيج.
ثم اصطحبهم قرب شجرةٍ عملاقة، وطلب منهم أن يراقبوا ظلّها.
قال أحد الشباب: «الظل يتحرّك بلا استقرار».
ابتسم الشيخ وقال:
«لأن الظلال ليست حقيقة…
الحقيقة ثابتة هنا، في الجذع والجذور».
أدار وجوههم نحو الشجرة وقال:
«الناس تُتعب نفسها حين تركض وراء ما هو متغيّر: آراء الناس، رضاهم، أهواءهم…
لكن من وقف على جذع الحقيقة وجذورها، لم تؤذه ظلال الدنيا».
فعرفوا أن الثبات ليس في المظهر، بل في العمق.
وقبل أن ينصرفوا، قال الشيخ كلمته التي بقيت محفورةً في ذاكرتهم، ومغروسةً في قلوبهم:
«يا أبنائي الشباب،
الطريق لا يصبح مستقيمًا إلا في القلوب المستقيمة.
والقلب لا يستقيم إلا إذا تعلّم ثلاثًا:
أن ينحني بلا ضعف،
وأن يصبر بلا شكوى،
وأن يتمسّك بالحقيقة دون أن يطارد الظلال.
من فهم هذه المرتكزات…
لن يخاف من التفاف الطريق، ولن يضيع في الظلام؛
لأن النور سيكون فيه، لا أمامه».
ومضى الشيخ، وبقيت حكمته تمشي مع الناس في حياتهم، تضيء لهم كل منعطف، وتذكّرهم بما يجب الوقوف عنده قبل أن يُكملوا السير.