عندما يتراجع المعنى السياسي
تعوّدنا بالاردنّ العزيز الغالي عند الحديث عن الديمقراطية ان نخطو خطوه للامام يتبعها خطوات للخلف، او التفاؤل عندما جرى الحديث عن منظومة التحديث السياسي واستبشرنا به خيراً،، وعند الدخول بالتفاصيل نشعر ان هناك في الظلّ من يعمل على افراغ التحديث عمدًا مما يبعث على الرّيبة والشّك، لانه ليس التراجع عن الركائز الجوهرية لمنظومة التحديث السياسي إجراءً عابرًا، ولا تصويبًا تقنيًا لمسارٍ اختلّت بعض تفاصيله، إنّه، في جوهره، انسحابٌ من فكرة كبرى، وتخلٍّ عن وعدٍ قُدِّم للمجتمع بوصفه أفقًا جديدًا للدولة، او نهج مختلف بادارة الدولة، لا مجرّد إعادة ترتيب للأدوات، وحين يكون الحكم المحلي هو حجر الزاوية في هذه المنظومة، فإن التراجع عنه لا يصيب مكوّنًا بعينه، بل يضرب الفكرة نفسها، فكرة نقل السياسة من الهامش إلى الحياة اليومية، ومن المركز البعيد إلى المدينة والحيّ والقرية.
الحكم المحلي: المعنى العملي للتحديث السياسي
لم يكن الحكم المحلي يومًا تفصيلًا إداريًا، بل كان – ولا يزال – التعبير العملي الوحيد عن التحديث السياسي، هو الجسر الذي تنتقل عبره المشاركة من النص إلى الممارسة، ومن الخطاب إلى القرار، ومن النخب إلى الناس، وبدونه تتحوّل الديمقراطية إلى لغة بلا مكان، وحقّ بلا أداة، ومشاركة بلا مسرح تتحقق عليه، فالدولة التي تخشى توزيع السلطة، أو تتردّد في تفويض القرار، لا تُحدّث نظامها السياسي، بل تعيد ترتيب مخاوفها.
انحسار الحكم المحلي وفقدان مدرسة المواطنة
ومع انحسار الحكم المحلي، لا نفقد نموذجًا إداريًا فحسب، بل نفقد المدرسة الأولى للمواطنة، ففي المجالس المحلية يتعلّم الناس كيف تُدار وجهات النّظر، وكيف تُحدَّد الأولويات، وكيف تراقب السلطة وهي قريبة، مرئية، ومُسمّاة، هناك تُختبر السياسة بوصفها خدمة ومسؤولية، لا شعارات ولا اصطفافات، وعندما يُفرَّغ هذا الفضاء، تعود السياسة شأنًا مجردًا، يُدار من الأعلى، فيما يُختزل المواطن إلى متلقٍ لقرارات لم يكن شريكًا في صنعها.
الحياة الحزبية في بيئة بلا سياسة، في هذا السياق، لا يكون تراجع الحياة الحزبية أمرًا مستغربًا، والتجربة ما زالت قيد التقييم، فالأحزاب التي يُراد لها أن تنمو في ظل غياب ساحات الفعل السياسي الحقيقي، تُحرم من أدوات التأثير ومن معناها في آن واحد، ليست المشكلة في الأحزاب ذاتها، بل في البيئة التي جُرّدت من قدرتها على إنتاج السياسة.
التراجع الصامت عن روح اللامركزية
ما شهدناه في تجربة امانة عمان الكبرى، هو تراجع صامت عن روح اللامركزية، وانسحاب محسوب من فلسفة تقوم على أن المدن لا تُدار من فوق فقط، بل تُفهم من الداخل، من أحيائها وشوارعها وتفاصيل حياة سكانها، وعندما يُستعاض عن الأعضاء المنتخبين في اللجان المحلية بموظفين، فالتغيير لا يكون في الأشخاص، بل في المنطق،
من التمثيل إلى الإدارة،
ومن الشراكة إلى التنفيذ
وهنا تبدأ المأساة الهادئة؟
اللجنة المحلية: من فضاء سياسي إلى ذراع بيروقراطية
فاللجنة المحلية، في تجربة امانة عمان الكبرى، في اصلها كانت فكرة مستقرّة، والتجارب اثبتت انها لم تكون مكتب خدمات ولا ذراعًا بيروقراطيًا إضافيًا، بل نقطة التقاء بين السياسة اليومية والواقع المعاش، ومساحة لاختبار الديمقراطية على المقياس الإنساني،ومشاركة في جميع القرارات المحلية على صعيد الاحياء والمناطق، وحين يُقصى الممثل المنتخب عن هذا الفضاء، لا نخسر انتخابات جزئية، بل نخسر مسارًا كاملًا كان يمكن أن تنضج عبره السياسة بهدوء، وبلا استعراض.
قانون انتخاب بلا مضمون
ثم يأتي الحديث عن تعديل متوقّع لقانون الانتخاب البلدي، لا بوصفه تطويرًا، بل كإعادة ضبطٍ استباقية للنتائج قبل ولادتها، تعديل يحافظ على الشكل، فيما يُسحب المضمون تدريجيًا، تُجرى الانتخابات، لكن بلا أثر، تُفتح صناديق الاقتراع، لكن بلا وزن، تُنتخب المجالس، ثم تُحاصر تشريعيًا وإجرائيًا حتى تتحوّل إلى ديكور ديمقراطي.
المشاركة كطقس لا كفعل
هكذا تتحوّل المشاركة الشعبية من فعلٍ مؤثّر إلى طقس، ومن حقّ سياسي إلى واجب شكلي، يُستدعى المواطن لا ليؤثّر، بل ليُكمل المشهد، ويُطلب صوته لا بوصفه رأيًا، بل ختمًا.
لماذا تضعف الأحزاب؟
في مثل هذا الواقع، لا تضعف الأحزاب لأنها بلا قيمة، بل لأن المجال الذي يمنحها القيمة جرى تفريغه من مضمونه، فما جدوى الحزب في مدينة بلا صلاحيات محلية حقيقية؟ وما معنى التنظيم السياسي إذا كانت مدخلاته تُفرَّغ من مضمونها قبل أن تصل إلى طاولة القرار؟
الديمقراطية حين تُحاصر
لا تذبل الحياة السياسية لأن الأحزاب ضعيفة، بل لأنها محاصَرة داخل نظام لا يسمح بالفاعلية، وعندما تُختزل الديمقراطية في الشكل، تصبح الأحزاب جزءًا من هذا الشكل، حاضرة في الخطاب، غائبة في الممارسة، ثم تُلام على ضعفها وكأنّه خلل ذاتي لا نتيجة بنيوية.
الحياة الحزبية بلا أرض
الحياة الحزبية بلا حكم محلي فاعل هي جسدٌ معلّق في الهواء، خطاب بلا أرض، برامج بلا اختبار، وقيادة بلا مساءلة، فالأحزاب لا تموت فقط حين تُقمع، بل حين تُفرَّغ السياسة من ساحاتها الطبيعية.
الاستقرار بوصفه ذريعة
والمفارقة المؤلمة أن هذا التراجع يُبرَّر غالبًا باسم الاستقرار أو الواقعية أو تجنّب الفوضى، وكأن المشاركة خطر، وكأن تقاسم القرار مغامرة، وكأن المواطن لا يُوثق به إلا حين يُقصى، لكن التجارب تُثبت أن الاستقرار القائم على الإقصاء ليس إلا استقرارًا مؤجّلًا، وأن تركيز السلطة في المركز يراكم في المقابل الاغتراب وفقدان المعنى.
فلسفة التحديث: الإنسان أولًا
فالتحديث السياسي ليس قانونًا يُكتب، ولا جدولًا يُعلن، بل فلسفة حكم ترى الإنسان شريكًا لا عبئًا، والمجتمع مصدرًا للشرعية لا جمهورًا صامتًا، والحكم المحلي هو الاختبار الأخلاقي لهذه الفلسفة، إما أن نؤمن بقدرة الناس على إدارة شؤونهم ونمنحهم الأدوات،
أو نبقى أسرى منطق الوصاية، نغيّر الوجوه ونُبقي العقلية.
أي دولة نريد؟
لذلك، فإن التراجع عن الحكم المحلي ليس خطوة إلى الوراء فحسب، بل إشارة مقلقة إلى أن التحديث ما زال يُفهم بوصفه تزيينًا سياسيًا لا تحوّلًا بنيويًا، وحين يغيب هذا التحوّل، يصبح السؤال عن مصير الأحزاب ثانويًا أمام سؤال أعمق،
أيّ دولة نريد؟
دولة تخاف مواطنيها، أم دولة تُبنى بهم؟
التراجع الذي لا يُعلن نفسه
الخطر الأكبر في هذا المسار أنه لا يُعلن نفسه كتراجع، لا يأتي ببيان صريح يقول: «لا نؤمن بالمشاركة». بل يتقدّم عبر قرارات صغيرة، تقنية، ومبرّرة ظاهريًا، تتراكم آثارها بصمت، إلى أن نستيقظ على حكم محلي بلا سياسة، وانتخابات بلا أثر، وأحزاب بلا أفق.
الخلاصة: إدارة التراجع
هنا تكمن المفارقة الكبرى، نطلب الثقة من الناس، ونسحب أدواتها؛
ندعو إلى المشاركة، ونفرغها من معناها؛
ونتحدث عن التحديث، ونفكك ركائزه، فالحكم المحلي، حين يُجرَّد من القرار، يصبح عبئًا، والمشاركة الشعبية، حين تُعطَّل، تصبح خداعًا مهذّبًا، والديمقراطية، حين تُختزل في الشكل، تتحوّل من أداة بناء إلى قناع استقرار مؤقت.
المطلوب ليس العودة إلى الشعارات، ولا إلى خطابات الإصلاح، بل العودة إلى الفلسفة المؤسسة، أن المدن لا تُدار من دون أهلها،
وأن السياسة لا تُختصر في المركز،
وأن التحديث الحقيقي يبدأ من الثقة—
الثقة بأن الناس، حين يُمنحون دورًا حقيقيًا، لا يهدّدون الدولة، بل يحمونها.
وما دون ذلك، ليس إصلاحًا،
بل إدارة متقنة للتراجع