الضمان: كيف نصنع "حلًّا وسطًا" بين الاستدامة وطمأنة الناس؟
أ.د. زيد الحمدان
22-02-2026 10:46 PM
في زاوية ضيقة بين ضرورة الاستدامة المالية لنظام الضمان الاجتماعي وخوف المواطنين من تغيير قواعد اللعبة بعد سنوات من التخطيط، يبحث الأردن عن مخرج. ليست المشكلة اليوم في "فكرة الإصلاح" ذاتها، فالحاجة إلى تحديث النظام باتت شبه إجماع. المشكلة الحقيقية تكمن في سؤال واحد: من يدفع الثمن وكيف؟.
حين تمسّ التعديلات سن التقاعد، فهي لا تغيّر مجرد رقم في مادة قانونية جافة، بل تعيد ترتيب حياة آلاف الأسر، وتُغيّر خطط عمل مؤسسات عامة وخاصة، وتؤثر في سوق العمل كله من باب واحد: الزمن. الزمن الذي يُطلب من المواطن أن يعمل خلاله أطول، دون أن يملك بالضرورة أدوات السوق أو الضمانات التي تكفل له وظيفة مستقرة حتى ذلك العمر.
منذ نشر النص الكامل لمسودة مشروع القانون المعدّل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026، تصاعد الجدل في الشارع الأردني. المخاوف من تغييرات تمسّ الحياة وخطط التقاعد تقابلها رواية حكومية عن ضرورة الاستدامة وتعزيز الحماية الاجتماعية. هذا الجدل ليس مفاجئًا؛ فالضمان الاجتماعي ليس "قانونًا ماليًا" فقط، بل هو عقد اجتماعي يرتكز على الثقة: ثقة المواطن بأن حقوقه لن تتغير فجأة، وثقة الدولة بأن النظام سيبقى قادرًا على الوفاء بالتزاماته للأجيال القادمة.
لماذا نحتاج حلًّا وسطًا؟
الحكومة ومؤسسة الضمان تتحدثان عن أهداف كبرى: تعزيز الحماية الاجتماعية، وتوسيع الشمول، وتحقيق التوازن بين الحقوق والاستدامة. في المقابل، تتلخص مخاوف المواطنين في ثلاث نقاط رئيسية:
أولًا، تغيير قواعد الاستحقاق على من اقتربوا من التقاعد بعد سنوات من التخطيط. ثانيًا، انعكاس التعديلات على الفئات الهشة في سوق العمل: من يعانون بطالة، أو دخلًا متقطعًا، أو ظروفًا صحية ،أو مهنية شاقة. ثالثًا، شعور عام بأن العبء يقع على الملتزمين، بينما تبقى ملفات مثل التهرب من الاشتراك أو تشوهات في آليات الاحتساب محل جدل مجتمعي.
الحل الوسط لا يعني "إلغاء الإصلاح"، بل إصلاحًا محسوبًا: يحقق الاستدامة دون كسر الثقة، ويعالج التشوهات دون ظلم الشريحة الأوسع من المشتركين.
أهم ما يحتاجه الناس اليوم هو ضمانة واضحة: لا تعديل يمس من هم على أبواب التقاعد بشكل مفاجئ أو رجعي. وتستطيع الحكومة أن تثبت حسن النية بقاعدة انتقالية مكتوبة ومحددة:
• من هم ضمن "نافذة قرب التقاعد" (3-5 سنوات من الاستحقاق وفق القانون الحالي) يتم التعامل معهم بامتيازات انتقالية تحميهم من الصدمة.
• أي رفع تدريجي لسن التقاعد أو تعديل في المعادلات يجب أن يترافق مع تواريخ ثابتة وإرشادات تطبيق واضحة ومعلنة للجميع.
هذه القاعدة وحدها قادرة على تهدئة جزء كبير من الاحتقان، لأنها تعالج "الخوف من المفاجأة" أكثر مما تعالج الخلاف على المبدأ.
سبع نقاط عملية لحل وسط قابل للتطبيق
1 - نافذة انتقالية عادلة لفئة "قرب التقاعد"
بدل أن يشعر من اقترب من سن التقاعد بأنه سيدفع ثمن إصلاح لم يصنعه، يمكن اعتماد نافذة انتقالية تُمنح خلالها خيارات واضحة: إما الاستمرار على شروط أقرب للقانون النافذ، أو الانتقال للتعديل الجديد مع تعويضات (تخفيف الاقتطاع أو احتساب أشهر إضافية ضمن سقف محدد). هذه ليست "مكرمة"، بل معيار عدالة في أي تشريعات تمسّ توقعات الناس المشروعة.
2- المهن الخطرة: تعريف واضح لا اجتهاد ولا تمييز
المهن الخطرة ملف حساس، فأي ارتباك فيه يُنتج شعورًا بالظلم. المطلوب: تعريفات ومعايير طبية ومهنية محددة، لجنة فنية مستقلة للتصنيف، آلية تظلّم شفافة، وربط التصنيف بمعايير السلامة المهنية لا بالمسميات. هنا تصبح الاستثناءات "أداة عدالة" لا بابًا للواسطة أو الاجتهاد.
3- إصلاح الرواتب التقاعدية "المرتفعة جدًا" دون شيطنة المتقاعدين
يتداول الرأي العام وجود رواتب تقاعدية مرتفعة جدًا، ما يثير حساسية مفهومة حول العدالة. غير أن الحل لا يكون بمهاجمة المتقاعدين أو المساس بحقوق مكتسبة بحسن نية، بل بمعالجة أسباب الارتفاع بطريقة مؤسسية عبر:
• تشديد قواعد احتساب متوسط الأجر للحد من القفزات غير المبررة قبل التقاعد. ويُحسب للمشرّع أنه انتبه سابقًا لهذه الإشكالية بوضع سقف أعلى لراتب التقاعد ضمن التشريعات القائمة.
• ربط أي زيادات استثنائية بضوابط صارمة ومعلنة ومعايير واضحة قابلة للتحقق.
• إغلاق منافذ التحايل على آليات الاحتساب، دون الإضرار بمن اكتسب حقه وفق القانون وبحسن نية، مع تعزيز الرقابة على الحالات غير الاعتيادية.
4- بالمقابل: حماية أصحاب الرواتب التقاعدية المتدنية
أي إصلاح بلا حماية للفئات الأضعف يفقد شرعيته. المطلوب: رفع تدريجي ومدروس للحد الأدنى، وربطه بالتضخم أو بمؤشر مبسط لتكاليف المعيشة، مع سقف مالي واضح لضمان الاستدامة وعدم فتح التزامات غير ممولة.
5- مكافحة التهرب أولًا: قبل أن ندفع نحن فاتورة غيرنا
من حق المواطن أن يسأل: لماذا أتحمل أنا "إصلاح الاستدامة" بينما آخرون يتهربون من الاشتراك أو يقللون الأجور المصرّح بها؟ الحل الوسط يتضمن حزمة إنفاذ واضحة: ربطًا إلكترونيًا أعمق بين الجهات المعنية، حملات تفتيش ذكية تعتمد المخاطر، وتسويات مؤقتة لتصويب أوضاع المنشآت مقابل التزام صارم لاحقًا. هذا يرفع الإيرادات ويعيد الثقة بأن العدالة لا تطبق على طرف واحد.
6- التعطل عن العمل وإجازة الأمومة: حماية بمرونة إنسانية
أي تعديل يمس بدلات التعطل أو ترتيبات الأمومة يجب ألا يتحول إلى قيود تفاقم هشاشة العاملين، بل إلى حماية واقعية عبر: توضيح معايير الاستحقاق بلغة مبسطة، ضمان عدم تضرر النساء العاملات خلال فترات الأمومة، وتوفير مسارات مرنة للعاملين ذوي الاشتراكات المتقطعة في القطاعات غير المستقرة.
7- شفافية اكتوارية مبسطة
جزء كبير من الأزمة هو "فجوة المعلومات". نقترح نشر ملخص اكتواري سنوي مبسط يجيب عن أسئلة الناس: ما سبب التعديل؟ ما أثره بعد 5 و10 و20 سنة؟ من سيتأثر وكيف حُمل؟ هذا يقلل الشائعات ويعيد النقاش إلى الأرقام بدل الانطباعات.
أثر تأخير سن التقاعد على المؤسسات
تأخير سن التقاعد لا يقف عند حدود صندوق الضمان، بل يمتد أثره مباشرة إلى الوضع المالي والإداري للمؤسسات، ومنها الجامعات. فالجامعة التي تبني موازناتها على هيكل رواتب ودرجات وترقيات وخطط إحلال سنوية، ستواجه واقعًا جديدًا: بقاء الموظفين لفترة أطول يعني استمرار التزامات الرواتب والامتيازات، وتأخر الإحلال، وتضييق مساحة تعيين كوادر شابة، ما يخلق ضغطًا مزدوجًا: ماليًا على بنود الرواتب، وإداريًا على التخطيط الأكاديمي والتطوير المؤسسي.
لا يوجد "ضامن" للاستمرار حتى 65 في القطاع الخاص
أما في القطاع الخاص، فالمعضلة أشد حساسية. رفع سن التقاعد لا يعني تلقائيًا أن العامل سيبقى في وظيفته حتى 65. كثير من العاملين يواجهون سوقًا متقلبًا، وأشكال عمل غير مستقرة، وأحيانًا إنهاء خدمات مبكرًا. هنا يصبح السؤال المنطقي: كيف نطلب من الناس العمل لسن أعلى، بينما لا نضع ضمانات واقعية تحمي فرص استمرارهم؟.
أي تعديل على سن التقاعد يحتاج، كجزء من "الحل الوسط"، إلى حزمة مرافقة: حماية أقوى من الفصل التعسفي للعامل الأكبر سنًا، برامج إعادة تأهيل وتدريب مهني، حوافز لأصحاب العمل للإبقاء على الخبرات (كتخفيض نسبة الاشتراك عن العمال الأكبر سنًا أو دعم جزئي لرواتبهم)، ومسارات انتقالية عادلة لمن تعرض لانقطاع في الاشتراك أو لبطالة قسرية.
إدارة الحوار أهم من نص القانون
حتى أفضل القوانين قد تفشل إذا أقرت بسرعة أو دون تواصل مجتمعي. المطلوب خارطة طريق واضحة: جلسات استماع مع ممثلي العمال وأصحاب العمل والنقابات والمجتمع المدني، نشر "نسخة توضيحية" تبسط المواد الأكثر جدلًا بلغة أسئلة وأجوبة، وتعديل المواد الخلافية وفق مبادئ العدالة الانتقالية قبل الإقرار.
ثلاث توصيات لحل وسط عملي
في النهاية، لا أحد يرفض أن يبقى الضمان قويًا ومستدامًا، كما لا أحد يقبل أن يُطلب منه "العمل أكثر" في سوق لا يضمن له "البقاء أكثر". المطلوب ليس شد الحبل بين الحكومة والمواطنين، بل هندسة حل وسط يوازن بين الاستدامة والعدالة. ويمكن تلخيص هذا الحل الوسط بثلاث توصيات عملية:
أولًا: تدرج معلن وعدالة انتقالية ملزمة اعتماد نافذة انتقالية تحمي من اقتربوا من الاستحقاق، وتمنع أي أثر رجعي، مع جدول زمني واضح يضمن عدم المفاجآت.
ثانيًا: حزمة مرافقة لسوق العمل قبل رفع السن حماية حقيقية للعاملين في القطاع الخاص من الإقصاء المبكر (تشديد ضوابط الفصل التعسفي)، مع برامج إعادة تأهيل وحوافز لأصحاب العمل لضمان فرص الاستمرار.
ثالثًا: تقييم أثر مؤسسي وتمويل ذكي إجراء تقييم معلن لتأثير رفع سن التقاعد على المؤسسات ذات الهياكل الوظيفية الحساسة، وإقرار ترتيبات تخفف الضغط المالي والإداري (خطط إحلال تدريجية، مرونة تنظيمية).
بهذه المقاربة، يتحول النقاش من "رفع سن التقاعد: نعم أم لا" إلى سؤال أكثر نضجًا: كيف نصلح دون أن نكسر الثقة؟ وحين تكون الإجابة مبنية على تدرج وضمانات وتقييم أثر واقعي، يصبح القانون أقرب إلى الإصلاح الذي يريده الجميع: دولة تحمي استدامة نظامها، ومواطن يطمئن أن حقه لا يُدار بالمفاجأة.