بقلم: عيسى محارب العجارمة
في لبنان، الحرب الأهلية لم تكن مجرد حرب… بل كانت موسمًا طويلًا من سوء الفهم الوطني، امتد من عام 1975 حتى تعب الجميع من تفسير معنى كلمة "وطن".
في بلدٍ يمكن أن يختلف فيه اثنان على لون البحر، لم يكن غريبًا أن يختلفوا على لون الدولة. فالدولة هناك كانت فكرة جميلة، تُعلَّق في المناسبات الرسمية، ثم تُنزَّل عند أول حاجز ميليشيا.
وطن على أقساط طائفية
في لبنان، لم يكن السؤال: من يحكم؟
بل: من يحكم هذا الشارع تحديدًا؟
الحيّ له جمهوريته الصغيرة، والزاوية لها وزارة دفاع، والسطح فيه قنّاص يطلّ على المستقبل بنظرة تشاؤمية.
أما "الخط الأخضر"، فلم يكن لونًا في الطبيعة، بل درسًا عمليًا في الجغرافيا الطائفية: شرقٌ يتوجّس من غرب، وغربٌ يتهم شرقًا، والبحر وحده محايد لأنه لا يحمل بطاقة هوية.
كلهم انتصروا… إلا لبنان
الأعجب أن كل طرف أعلن النصر أكثر من مرة.
النصر في لبنان كان كالكهرباء: يأتي فجأة، ويختفي سريعًا، ويترك الناس في العتمة.
دخلت القوى الإقليمية والدولية كأنها في مهرجانٍ مفتوح: هذا يدعم فريقًا، وذاك يحمي آخر، وثالث يوزّع النصائح مع الذخيرة.
تحوّلت الحرب من "خلاف داخلي" إلى بطولة إقليمية، والجائزة الكبرى كانت دائمًا: النفوذ.
بيان رقم واحد… وبيانات لا تنتهي
كان كل صباح يبدأ ببيان عسكري:
"حرصًا على الوحدة الوطنية…"
ثم يُستكمل البيان بإطلاق نارٍ كافٍ لإقناع الناس أن الوحدة تحتاج إلى صيانة.
الناس العاديون – أولئك الذين لا يملكون ميليشيا ولا منصة خطاب – كانوا يمارسون رياضة يومية اسمها "النجاة".
يتعلمون أن يسيروا بمحاذاة الجدران، وأن يقرأوا وجوه المسلحين كما تُقرأ النشرات الجوية.
عندما جلس المتحاربون إلى الطاولة
وحين تعب الجميع، اكتشفوا فجأة أن الطاولة المستديرة أقل كلفة من المتاريس.
فكان اتفاق الطائف، الذي قرر أن يعيد توزيع السلطة بدل توزيع الرصاص.
تم تعديل الصلاحيات، وتبديل الأدوار، وإعادة ترتيب البيت…
لكن أحدًا لم يجرؤ على تغيير أساسه الطائفي، كأنهم يخشون أن تسقط البناية إذا مسّوا الأعمدة القديمة.
درس لبناني… بنكهة عربية
الحرب الأهلية في لبنان لم تكن مجرد صراع طوائف، بل كانت درسًا عربيًا مكثفًا:
حين تُصبح الطائفة حزبًا، والحزب دولة، والدولة فكرة مؤجلة…
يصبح الوطن ساحة اختبار لنظريات الجميع.
واليوم، كلما تعثّر لبنان، يتساءل البعض: هل انتهت الحرب فعلًا أم غيّرت ملابسها فقط؟
ربما أكبر سخرية في القصة أن اللبنانيين، رغم كل شيء، ما زالوا يتقنون الحياة.
يبنون مقهى فوق أنقاض، ويعلّقون علمًا فوق شرفة متشققة، ويتجادلون في السياسة كما لو كانت مباراة كرة قدم.
وهكذا يبقى لبنان…
بلدًا أثبت أن الحروب قد تطول، لكن روح الناس أطول.
وأن الوطن، مهما انقسم على الخرائط، يبقى فكرة يصعب اغتيالها.