facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قوة مجلس النواب من داخله


جهاد المنسي
23-02-2026 12:33 AM

عندما يُطرح ملف تطوير أداء مجلس النواب، يذهب البعض سريعاً إلى تفسيره بوصفه تشكيكاً ضمنياً بفعالية المجلس أو تلميحاً إلى الحاجة لتغيير مبكر، غير أن الحقيقة أبسط وأعمق في آنٍ معاً: تطوير الأداء هو تعبير عن الثقة بالمؤسسة، وإقرار بأن البناء المتدرج من الداخل هو الطريق الأسلم لترسيخ مكانتها، فالمؤسسات الدستورية لا تقوى بالهزّات، بل بالتراكم، ولا تتجدد بالقطيعة، بل بالمراجعة الواعية.

قوة أي مجلس نيابي لا تُقاس بعدد الجلسات ولا بحجم التصفيق، بل بقدرته على إنتاج تشريعات متوازنة، وممارسة رقابة فاعلة، وصياغة خطاب سياسي يعكس أولويات المجتمع، ومن هنا، فإن الحديث عن تجويد العمل النيابي لا ينطلق من أزمة، بل من رغبة في تعظيم الأثر وتحسين النتائج، فالمجلس الذي يراجع أدواته ويصحح مساره، هو مجلس يدرك أن الثقة العامة تُبنى بالفعل المنظم لا بالشعارات.

المدخل الأول لإعادة إنتاج القوة يبدأ من اللجان النيابية، ففي التجارب البرلمانية الناضجة، تُعدّ اللجان المطبخ الحقيقي للتشريع، داخلها تُفكك النصوص، وتُستدعى الجهات المعنية، وتُوازن المصالح، وتُختبر المواد بنداً بنداً، كلما كانت اللجان متخصصة، ومسنودة بدعم بحثي وفني كافٍ، وممنوحة الوقت الكافي للنقاش، ارتفع مستوى المخرجات التشريعية تلقائياً، أما حين تضيق المساحة أمام النقاش العميق، فإن الجلسة تحت القبة تتحول إلى محطة إقرار لا ساحة صناعة قرار، من هنا، فإن تمكين اللجان ليس تفصيلاً إجرائياً، بل شرطاً لازماً لرفع جودة التشريع وتعزيز الدور الرقابي.

إلى جانب اللجان، يبرز الدور المحوري للكتل الحزبية، فالحياة البرلمانية الحديثة لا تُدار بالاجتهادات الفردية مهما كانت جادة، بل بالعمل الجماعي القائم على البرامج، وجود أحزاب ممثلة تحت القبة يجب أن ينعكس في كتل ذات هوية سياسية واضحة، تمتلك رؤية متكاملة عند مناقشة أي مشروع قانون أو عند ممارسة الرقابة على الحكومة، والكتلة البرامجية لا تنتظر المشروع لتتفاعل معه فقط، بل تُعدّ أوراق موقف، وتناقش المقترحات داخلياً، وتبلور خطاباً موحداً يعكس برنامجها.

إذ إن وضوح الكتل ينعكس مباشرة على المشهد العام، فعندما تتمايز المواقف على أسس سياسية لا شخصية، تصبح المساءلة أكثر دقة، ويغدو الناخب قادراً على تقييم الأداء وفق معايير مفهومة، أما المشهد الضبابي، فيربك الرأي العام ويُضعف الثقة، ولهذا من المهم الانتقال من الفردية إلى البرامجية وهي خطوة أساسية في مسار ترسيخ العمل المؤسسي داخل المجلس.

بالمجمل يبقى النظام الداخلي أداة تنظيمية حاسمة في هذا السياق، فهو الذي يحدد آليات تشكيل اللجان، وتوزيع رئاساتها، وأولويات إدراج القوانين، وضوابط النقاش، وأي تعديل يعزز التخصص، ويمنح الكتل دوراً أكبر في تنظيم العمل، ويحدّ من الارتجال، سينعكس مباشرة على جودة الأداء، غير أن النصوص وحدها لا تكفي إن لم تترافق مع إرادة حقيقية لتطوير الثقافة البرلمانية ذاتها.

الحقيقة الثابتة أن قوة المجلس لا تنبع من حدة الخطاب، بل من انضباطه، ولا من كثرة المقترحات، بل من جودتها وقدرتها على تحقيق المصلحة العامة، وهي قبل كل شيء نتاج قناعة داخلية بأن المؤسسة أكبر من الأفراد، وأن استكمال مدتها الدستورية فرصة لبناء تقاليد عمل راسخة لا مجرد استحقاق زمني، والإصلاح الهادئ والمتدرج يمنح التجربة فرصة للنضج، ويحول التطوير إلى عملية مستمرة لا رد فعل ظرفي.

في النهاية، فإن إعادة إنتاج قوة المجلس لا تحتاج لحلول استثنائية، بل إلى عمل منظم من الداخل: لجان فاعلة، كتل برامجية واضحة، ونظام داخلي يعزز التخصص والانضباط، عندما تتكامل هذه العناصر، يصبح المجلس أكثر قدرة على أداء دوره الدستوري بثقة ومسؤولية، ويغدو تطوير الأداء تأكيداً على قوة المؤسسة لا بديلاً عنها.

"الغد"





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :