لم يعد تقديم الخدمات الرقمية في الوقت الراهن شعارًا ترويجيًا للمؤسسات، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه بقوة لتقديم أفضل خدمة، وفي الوقت نفسه تحقيق مبدأ الكفاءة في أداء العمل من خلال تقليل التكاليف والإجراءات غير المبررة والروتينية أحيانًا.
ومع ذلك، فإن الوصول إلى أعلى مستويات النضوج في تقديم أفضل الخدمات والممارسات الرقمية في أي دولة رحلة ليست سهلة، بالرغم من أن مؤشر نضج الحكومة الرقمية الصادر عن البنك الدولي للجهود القائمة على التحول الرقمي في الأردن سجّل درجة إجمالية بلغت 91.4%، ليحل الأردن في المرتبة 21 عالميًا والرابع عربيًا، كما أن التجارب العالمية لبعض الدول أصبحت مثالًا يُحتذى به.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن مقارنة واقع الأعمال الرقمية بشكل عام وتقديم الخدمات لمتلقي الخدمة تُظهر أنها لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب والهدف المرجو من الاستثمار في هذه التقنيات لتحقيق اقصى عائد على الاستثمار من خلال التعاملات الرقمية. فالأردن يُعد من الدول المتطورة تقنيًا، ولا ينقصه الكثير مما يمتلك من بنية تحتية رقمية تتمثل في شبكات اتصال قوية، وخدمات دفع إلكتروني، وإطلاق منصات وطنية ذات أهمية، وموارد بشرية قادرة على مواكبة التطورات في هذا المجال. إلا أن هذه التجربة أثبتت أنه لا توجد ضمانة حقيقية لهذه التكنولوجيا الحديثة في تحقيق أفضل العوائد إذا لم يتم استخدام نموذج العمل الصحيح والمناسب في تقديم الخدمات، ومن خلال إعادة هندسة عمليات العمل التقليدية وتقديمها بطريقة مغايرة تمامًا، واستبعاد الروتين والبيروقراطية الإدارية في تقديم الخدمات الرقمية. فما يهم متلقي الخدمة هو إنجاز معاملاته بشكل سريع دون الدخول في متاهة جديدة من متطلبات المعلومات وتحميلها، على الرغم من وجودها أصلًا لدى الجهات الرسمية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحديد الأساس الذي صُممت عليه هذه الخدمات، وهل جميع الخطوات فيها أساسية وضرورية، وهل يمكن تقديم الخدمة بأقل عدد ممكن من الخطوات غير الضرورية. فملاحظة الخدمات الرقمية على أرض الواقع تكشف في كثير من الأحيان عن إجراءات غير ضرورية أُضيفت لإتمام معاملات قبل أعوام عديدة بسبب ظروف العمل الورقي وعدم إمكانية الربط الإلكتروني سابقًا، وما زالت موجودة ضمن روتين العمل حتى اليوم. كما أن إثبات الهوية والمعلومات الأساسية في كل مرة وتحميلها على بعض الأنظمة يُعد تحديًا أساسيًا، على الرغم من أن الرقم الوطني كافٍ لاستدعاء كافة البيانات، لكن عدم تكامل الأنظمة يشكل تحديًا جوهريًا أيضًا. وعندما يستطيع المواطن إنجاز معظم معاملاته عن طريق الهاتف دون طباعة ورقة أو تحميلها أو زيارة موقع تقديم الخدمة، نستطيع القول إننا دخلنا عصر الخدمات الرقمية فعليًا.
ولذلك، نحن بحاجة إلى إعادة التفكير بشكل جذري من الصفر في الخدمات المقدمة قبل برمجتها كما كان معمولًا به سابقًا، إذ لا يمكن قياس الخدمات الرقمية بعدد المواقع الإلكترونية للمؤسسات أو التطبيقات، بل بكفاءة عمليات العمل في تقديم أفضل الخدمات، وإلا سنبقى في حالة تحول رقمي مبني على الإجراءات الروتينية في أغلب الأحوال. وبالتالي، فإن إعادة فلسفة تقديم الخدمات في المؤسسات والتكامل فيما بينها أصبحت ضرورة ملحة، كما فعلت بعض الدول بتطبيق مبدأ عدم جواز طلب نفس البيانات من متلقي الخدمة أو المواطن مرتين، وهو ما يعكس مدى أهمية التكامل في تبادل البيانات بين أنظمة المؤسسات في الدولة، بالإضافة إلى التحول نحو تقديم الخدمات بشكل استباقي دون طلب المواطن، وخصوصًا عندما تتحقق شروط الخدمة، وهذا يُعد من أعلى مستويات النضوج في تقديم الخدمات لمستحقيه، وما له من أثر إيجابي على الاقتصاد الرقمي ككل.