هل نجهل الألف باء .. أم لا نريدها؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
23-02-2026 12:14 AM
الألف باء.. الحروف الأولى التي تعلمناها منذ الطفولة.. لكنها ليست مجرد حروف.. هي أساس كل معرفة.. وأي بناء ينطلق منها يكون مستقراً.. وأي محاولة لتجاوزها.. أو القفز عليها.. سيكون مصيرها التعثر والفشل.. ومن السخف أن نتحدث عن إدارة دولة.. أو اقتصاد.. دون الالتزام بما هو بديهي وواضح.. كيف يمكن للحكومة.. أن تصنع سياسة ناجحة.. إذا تجاهلت أساسيات الأمور؟!..
في بلدي الغالي.. المواطن يحسب كل دينار قبل أن ينفقه.. والراتب لا يكفي لتغطية أبسط حاجاته.. والبطالة تحاصر كل بيت.. والأسعار تتسارع بلا توقف.. والخزينة تعتمد على الضرائب.. بينما القدرة الشرائية تنهار أمام أعين مَن يُفترض أنهم يديرون الدولة..
ولكن المسؤولية ليست على المواطن.. ولا على المستثمر وحده.. الحكومة هي السبب.. هي التي تضاعف عدد المرجعيات.. تبطئ الموافقات.. تغير القوانين بلا سابق إنذار.. تثقل كاهل المستثمر قبل أن يبدأ.. كثيرون استثمروا ثم غادروا.. تاركين موظفين عاطلين.. وبعضهم معرض للسجن بسبب قروض أخذها ظناً أن عمله مستقر.. وهذه ليست حادثة عرضية.. بل نتيجة قرارات تتكرر كل عام بلا خطة واضحة..
أما الاستثمار.. فهو العصب الذي تتحرك عليه عجلة الاقتصاد.. وليس كلمات تتغنى بها الحكومة في المؤتمرات.. أو تحت قبة البرلمان.. أو على طاولة الدوار الرابع.. ألف باء الاستثمار ليست معقدة.. وضوح.. ثبات.. سرعة إجراء.. كلفة معقولة.. وعدالة تطبيق.. إذا اختلت واحدة منها.. تعثرت العجلة.. وإذا اجتمعت.. دارت بثقة.. ومع دورانها تنخفض البطالة.. ويزداد المشتركون في الضمان.. وتتنفس الخزينة دون أن تضغط على جيب المواطن.. فالاقتصاد ليس أرقاماً على الورق.. بل مناخ ثقة يُبنى.. أو يُهدم بأبسط التفاصيل..
التخفيض المدروس لضريبة المبيعات.. ولو موسمي.. كالاعياد.. أو في رمضان.. أو عند بدء السنة الدراسية.. ليس منّة.. بل ضرورة لإعادة الحركة للسوق..
فزيادة المبيعات تعني تعويضاً للخزينة.. وارتفاع الطلب على السلع والخدمات يرفع ضريبة الدخل.. ومبادئ جون ماينارد كينز حول الأثر المضاعف تقول "إن كل دولار يتحرك في السوق يخلق دورات اقتصادية متتالية"..
مصنع في منطقة نائية يولد حياة كاملة.. بيوت تُستأجر.. محال تُفتح.. حافلات تتحرك.. أراضٍ ترتفع قيمتها..
وجامعة تُقام.. هناك سكن طلابي.. مطاعم.. مكتبات.. مواصلات.. وكل خطوة تضيف دخلاً جديداً..
بينما المواطن العاطل عن العمل.. هو صفر في إيراد الخزينة.. وربما رقم سالب إذا حسبنا كلفة البطالة الاجتماعية والأمنية.. أما حين يعمل.. تبدأ الدورة الاقتصادية بالكامل.. استهلاك.. تنقل.. استئجار.. زواج.. تكوين أسرة.. وأطفال بحاجة لمستلزمات.. ومن ثم يدخلون المدارس.. وكل خطوة تضيف إيراداً جديداً للخزينة..
وفي ظل النقاش الحاد حول قانون الضمان الاجتماعي ورفع سن التقاعد.. نجد أن قلة دافعي الاشتراكات مرتبطة بالبطالة.. وضعف الاستثمار.. فكل مشروع ناجح.. يزيد عدد المشتركين في الضمان.. ويخفف الضغط على الدولة.. ويمنح المواطن حياة أفضل..
الحكومة أمام خيار صارخ.. أن تظل في نظرية الأرقام على الورق.. أو أن تتوقف عن اللعب بالنار..
تمنح المستثمر فرصة حقيقية..
تحمي المواطن..
وتراقب المضاعفات لكل مشروع..
لأن أي تجاهل آخر يعني..
استمرار البطالة..
انهيار القدرة الشرائية..
هروب المستثمرين..
خسارة الخزينة..
المواطن يظل عاطلاً عن العمل.. أو لا يملك القدرة الشرائية.. أبناؤه بلا مدارس مناسبة.. الأسر تنهار وتتفكك تحت ثقل الفقر..
المستثمر الذي ظن أن بيئة العمل مستقرة.. يرحل تاركاً خلفه وظائف ضائعة.. مشاريع متوقفة.. وقروضاً متعثرة.. ناهيك عمن لم يأت أصلا.. جراء ما يسمعه عن تجارب فاشلة..
هذه ليست نظرية.. هذه مسؤولية مباشرة تقع على عاتق مَن يمتلك الأدوات.. ولا يستخدمها.. وكل يوم تتأخر فيه الحكومة عن اتخاذ الإجراءات اللازمة.. هو يوم إضافي من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية.. التي سيدفع ثمنها المواطن.. وبالتالي الوطن ككل..
فهل تصغي الحكومة لحديثنا وصرخاتنا.. وتتمعن.. وتعي.. وتتحرك بالاتجاه الصحيح؟!..
أم هناك -لا سمح الله- قطن مرنّخ بالزيت في أذنيها.. تجاه ما نقوله.. ولا ترغب بإزالته؟!..