"المتسوق الخفي" عين القانون في قلب الإدارة
ماهر البطوش
22-02-2026 10:38 PM
في زمن تتسارع فيه التحولات الإدارية، وتتنامى فيه تطلعات المواطنين نحو خدمة عامة أكثر احترام وعدالة وكفاءة، لم يعد مقبولا أن تبقى الرقابة التقليدية الوسيلة الوحيدة لضبط الأداء داخل الدوائر والمؤسسات الحكومية، فالرقابة التي تُعلن عن نفسها كثيراً ما تصنع مشهد مرتب لا يعكس الحقيقة. إذ إن الموظف حين يعلم أنه تحت المجهر، يقدم أفضل ما عنده مؤقتاً، ثم يعود الأداء إلى عاداته القديمة وكأن الرقابة لم تمر من هنا.
ومن هذا القصور في الرقابة المعلنة برزت فكرة المتسوق الخفي كأداة رقابية ذكية وهادئة، لا تُحدث ضجيج لكنها تكشف الواقع كما هو. فهو يدخل كما يدخل المواطن العادي، يطلب خدمة، ينتظر دوره، ويراقب التفاصيل الصغيرة التي تُشكّل التجربة الحقيقية. هل تُنجز المعاملة في وقتها؟ هل تُطلب وثائق غير لازمة؟ هل يُعامل المواطن باحترام؟ وهل تُطبق التعليمات بروح القانون لا بمزاج الأفراد؟.
وهنا يتضح أن المتسوق الخفي ليس تجسساً ولا خروجاً على النظام، بل امتدادا لمبدأ قانوني أصيل مؤداه أن المرفق العام خُلق لخدمة المواطن، فالوظيفة العامة ليست امتيازاً شخصياً، بل تكليف تحكمه المشروعية، وتضبطه قواعد النزاهة والانضباط والعدالة، ومن ثم فإن مراقبة جودة الخدمة لا تنتقص من الموظف، بل تصون هيبة الوظيفة وتعزز الثقة بالمؤسسات.
وانطلاقاً من هذا الفهم، تقوم الفكرة على قاعدة راسخة في النظام العام، وهي أن الإدارة ليست سلطة فوق القانون، بل جهاز يعمل في إطاره ويلتزم بحدوده، فلا يجوز أن تتحول الصلاحية إلى سلطة مطلقة، ولا أن يصبح القرار الإداري تصرف شخصي يمس حقوق الناس أو كرامتهم، فالدولة القانونية لا تُقاس بنصوصها فحسب، بل بمدى تجسيد تلك النصوص في السلوك اليومي داخل كل مرفق عام.
ولأن القانون الإداري يقوم على مبدأ حسن سير المرافق العامة بانتظام واطراد، فإن أي وسيلة تحقق هذا الهدف تُعد مشروعة ما دامت منضبطة بالعدالة والشفافية وعدم التعسف. وهنا تتجلى أهمية المتسوق الخفي، حيث انه يكشف الفجوة بين ما يُكتب في التعليمات وما يُطبق فعلياً في الميدان، فالكثير من الانحرافات لا تظهر في السجلات، بل تتجسد في واقع الخدمة اليومية.
وفي هذا السياق، تتراكم المشكلات الإدارية في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها عميقة الأثر: تأخير غير مبرر، معاملة تُعطل، أسلوب جاف، أو تعليمات تُفسر وفق العلاقات لا وفق القانون. هذه التفاصيل، وإن بدت بسيطة، فهي تُضعف ثقة المواطن وتُشعره أن حقه مرهون بالمزاج لا بالنص. ومع تكرارها، تتحول من حالات عابرة لنهج يُضعف ثقة المواطن بالإدارة ويهز صورتها أمام المجتمع.
ومن هنا يصبح المتسوق الخفي أداة قياس حقيقية، لأنه يرصد التجربة كما يعيشها المواطن لا كما تُعرض في التقارير، فهو يضع الإدارة أمام مرآة الواقع دون تزييف، ويمنح صانع القرار صورة أقرب للحقيقة. وبهذا يتحول من مجرد وسيلة تقييم إلى أداة إصلاح مبكر تمنع تراكم الخلل قبل أن يتسع نطاقه.
إلا أن نجاح هذا النهج لا يتحقق بعفوية، بل يتطلب تنظيم قانوني واضح يحدد طبيعة الزيارة، ومعايير التقييم، وآلية توثيق الملاحظات، والجهة المختصة باستقبال التقارير. فالعدالة الإدارية لا تقوم على الانطباعات، بل على وقائع قابلة للتحقق، وإجراءات تضمن النزاهة والموضوعية في التقييم.
وفي المقابل، فإن حماية الموظف جزء لا يتجزأ من عدالة الفكرة، لأن الهدف ليس الاصطياد أو التشهير، بل الإصلاح والتطوير. لذلك يجب أن يُعامل تقرير المتسوق الخفي كقرينة تستوجب التحقق، مع تمكين الموظف من حق الرد والتحقيق العادل، فالإدارة الرشيدة لا تُقيم المسؤولية على الظن، بل على أسس قانونية منصفة.
ويبقى السؤال الجوهري: من يراقب هذه الرقابة؟ إذا كان المتسوق الخفي تابعاً للمؤسسة ذاتها، فقد تتحول الرقابة إلى مجاملة داخلية أو أداة تصفية حسابات. ومن هنا تبرز ضرورة إسناد هذه المهمة لجهة مستقلة ومحايدة، تضمن الحياد وتمنع تضارب المصالح، فالرقابة غير المستقلة تضعف الثقة بنتائجها، والعدالة غير المحايدة تفقد معناها.
وليس هذا النهج غريباً عن التجربة الأردنية، فقد عُرف عن جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله زياراته المفاجئة للدوائر، للاطلاع على الخدمة كما يراها المواطن لا كما تُصاغ في التقارير، ثم واصل جلالة الملك عبدا لله الثاني بن الحسين المعظم هذا النهج عبر زيارات ميدانية متكررة، تأكيداً على أن الإدارة وجدت لخدمة المواطن، ، وأن احترام الناس يُقاس بالفعل لا بالخطاب.
ومن ثم فإن اعتماد المتسوق الخفي بصورة قانونية ومنظمة يعيد ضبط مفهوم الوظيفة العامة، ويؤسس لثقافة مفادها أن المواطن صاحب حق لا طالب خدمة، ويعزز جودة الأداء، ويحد من الروتين، ويعيد بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته، فالرقابة هنا ليست عقاباً بل وسيلة ترشيد وتطوير مستمر.
وفي النهاية، يبقى المتسوق الخفي أكثر من فكرة إدارية؛ إنه تجسيد عملي لهيبة القانون في تفاصيل الحياة اليومية، هو عين الدولة الصامتة التي تتأكد أن النصوص لا تبقى حبراً على ورق، وأن الخدمة العامة تُدار بعدالة واحترام. وبهذا المعنى، فهو رسالة واضحة تقول: القانون فوق الجميع، والخدمة حق للمواطن، والعدالة هي المعيار الأول لكل عمل إداري.