بقلم: الدكتور عطاالله الشرعة
حين تعترف الحكومة اليوم أن التقاعد المبكر كان خطأً كارثيًا، فهي لا تقول شيئًا جديدًا. الجديد – والخطير – أن أحدًا لم يُحاسَب.
الخطأ لم يقع بالأمس، بل صُنع بقرار رسمي، ومرّ، ونُفّذ، واستُخدم لسنوات، ثم تُرك الضمان الاجتماعي يدفع الثمن وحده.
التقاعد المبكر لم يكن زلّة قلم، بل سياسة دولة. سياسة أخرجت عشرات الآلاف من سوق العمل، أفرغت المؤسسات من خبراتها، وفتحت نزيفًا ماليًا ما زلنا نُطالب بإيقافه… من جيوب المشتركين أنفسهم.
السؤال البسيط الذي يُرعب صانع القرار:
إذا كان القرار خاطئًا… لماذا لا يُحاسَب من أقرّه؟
ولماذا يُعاقَب العامل اليوم بسن تقاعد أطول وشروط أقسى، بينما ينجو مهندس الخطأ بلا مساءلة ولا اعتذار؟
ما يحدث اليوم ليس إصلاحًا، بل ترحيل فشل.
فشل سياسات سابقة يُعاد تحميله لجيل جديد، تحت عنوان “الاستدامة”.
وكأن الضمان الاجتماعي وُجد ليكون مظلة لأخطاء الحكومات، لا شبكة أمان للمواطن.
الأخطر من القرار الخاطئ، هو تحويل الضمان إلى مختبر تجارب:
نجرّب… نفشل… نعدّل القانون… ثم نطلب من الناس التفهّم!
هذا ليس إصلاحًا، هذا إرهاق متعمّد للثقة العامة.
الضمان الاجتماعي ليس مشكلة مالية فقط، بل امتحان أخلاقي للدولة.
إما أن يكون مؤسسة تُدار بعقل استثماري مستقل، أو يبقى رهينة قرارات سياسية قصيرة النظر.
الرسالة يجب أن تكون واضحة:
لا إصلاح بلا محاسبة.
ولا استدامة بلا شجاعة الاعتراف.
ولا عدالة حين يدفع المواطن ثمن قرار لم يصنعه.
الضمان ليس ملك الحكومة… هو ملك الناس، ومن العبث التعامل معه كأنه خطأ يمكن “تغطيته” بتعديل قانون جديد.
*الدكتور عطاالله الشرعة
استاذ الموارد البشرية
مستشار التطوير الإداري والموارد البشرية