facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss




الحرب الاقتصادية بين الصين وأمريكا: النفط والمعادن في قلب الصراع


د. حمد الكساسبة
10-01-2026 01:29 PM

لم تعد العلاقة بين الصين والولايات المتحدة مجرد منافسة اقتصادية عادية، بل تحولت تدريجيًا إلى حرب اقتصادية هادئة تُدار من دون مواجهة مباشرة. في هذا النوع من الصراع، لا تُستخدم القوة العسكرية، بل تُستعمل الموارد والطاقة وسلاسل التوريد كأدوات ضغط. هذا التحول في طبيعة التنافس بين القوى الكبرى أشار إليه صندوق النقد الدولي في تقاريره عام 2023، عندما تحدث عن انتقال الصراع من التجارة إلى أدوات ضغط اقتصادية أعمق.

تدخل الصين هذه المواجهة وهي تمتلك نقطة قوة استراتيجية تتمثل في سيطرتها الواسعة على المعادن النادرة. هذه المعادن تُعد عنصرًا أساسيًا في الصناعات الحديثة، من الإلكترونيات المتقدمة إلى السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة. ووفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية لعام 2024، تهيمن الصين على المراحل الأكثر تعقيدًا في تكرير هذه المعادن، ما يمنحها نفوذًا صناعيًا يصعب تقويضه بسرعة.

في المقابل، تواجه الصين نقطة ضعف بنيوية تتمثل في اعتمادها الكبير على استيراد النفط. فبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية لعام 2024، يأتي أكثر من 70٪ من استهلاك الصين النفطي من الخارج، وهو ما يجعل اقتصادها شديد الحساسية لأي ارتفاع في الأسعار أو اضطراب في الإمدادات، ويحوّل الطاقة إلى أداة ضغط فعالة في يد الولايات المتحدة.

من هذا المنطلق، لا تقوم الاستراتيجية الأميركية على منع الصين من الحصول على النفط بالكامل، بل على جعل هذا النفط أكثر كلفة وأكثر مخاطرة. الهدف ليس القطع، بل الاستنزاف التدريجي. ويظهر ذلك بوضوح في التعامل مع النفط الإيراني والفنزويلي، كما أشارت تحليلات سياسية واقتصادية أميركية خلال عام 2024 إلى استخدام العقوبات كأداة لرفع كلفة الطاقة على الصين.

هذا النهج دفع الصين خلال السنوات الأخيرة إلى تسريع سياسة تنويع مصادر النفط، بما في ذلك الاستيراد من دول خاضعة للعقوبات. وتشير تقارير وكالة رويترز خلال عامي 2024 و2025 إلى أن النفط الإيراني والفنزويلي يُباع بأسعار أقل، إلا أن كلفة النقل والتأمين والمخاطر السياسية تقلل من جدوى هذه الخصومات وتجعل هذه الإمدادات أقل استقرارًا.

وفيما يتعلق بإيران تحديدًا، فإن الضغوط الأميركية لا ترتبط فقط بتطورات الوضع الداخلي أو الإقليمي، بل تهدف بشكل مباشر إلى منع قيام أي علاقة نفطية مستقرة بين طهران وبكين. ووفق تحليلات أسواق الطاقة الدولية خلال الفترة 2023–2025، تسعى واشنطن إلى تعطيل أي مسار يسمح بوصول النفط الإيراني منخفض الكلفة إلى الصين، لما لذلك من أثر مباشر في خفض كلفة الطاقة على الاقتصاد الصيني.

أما فنزويلا، فتمثل حالة استراتيجية مختلفة، ليس بسبب حجم صادراتها الحالية، بل بسبب ما تمتلكه من احتياطي نفطي ضخم. فقد أكدت بيانات منظمة أوبك لعام 2023 أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، وهو ما يفسّر تركيز الضغوط الأميركية على منع تحوّل هذا المورد إلى ركيزة مستقبلية للأمن الطاقوي الصيني.

وتدخل روسيا أيضًا في هذه المعادلة، إذ أصبحت خلال السنوات الأخيرة موردًا مهمًا للطاقة الصينية، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا. وتشير بيانات طاقوية صادرة عن جهات أميركية ودولية عام 2024 إلى أن النفط الروسي المخفّض ساعد الصين على تغطية جزء من احتياجاتها، لكنه يبقى خيارًا محفوفًا بالعقوبات والمخاطر الجيوسياسية.

في المقابل، يحتل النفط العربي، وخصوصًا نفط دول الخليج، موقعًا مختلفًا في هذا الصراع. فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية لعام 2024، تلعب دول الخليج دور عامل توازن في سوق الطاقة العالمية، من خلال الحفاظ على علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وتوسيع شراكاتها الاقتصادية مع الصين، ما يجعل نفطها خارج دائرة المواجهة المباشرة.

وفي النهاية، لا تعكس الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة خلافًا مرحليًا أو سياسة ظرفية، بل صراعًا طويل الأمد على شكل النظام الاقتصادي العالمي القادم. فالولايات المتحدة لا تستهدف الصين عبر المواجهة المباشرة، بل عبر إبطاء صعودها اقتصاديًا من خلال تحويل اعتمادها على الطاقة إلى نقطة ضغط دائمة، عبر رفع كلفة النفط وتقليص الخيارات منخفضة السعر. وفي المقابل، تحاول الصين حماية مسار نموها بالاعتماد على نفوذها الصناعي وتنويع مصادر الطاقة، وإن كان ذلك بثمن أعلى ومخاطر أكبر. وبين هذين المسارين، يتضح أن ميزان القوة في العالم لم يعد يُقاس بحجم الجيوش أو التفوق العسكري، بل بالقدرة على التحكم في الموارد الحيوية، وإدارة كلفة الطاقة، والسيطرة على شرايين الاقتصاد العالمي التي تحدد من ينمو، ومن يتباطأ، ومن يقود النظام الدولي الجديد.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :